تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
يتبعه ، فكأنه قد عبده لفرط تعظيمه له . ومن أمثالهم : الهوى إله معبود ، على المعنى الذي ذكرنا . وذكر أحمد بن يحيى البلاذري « 1 » في كتاب ( الأشراف ) أن هذه الآية نزلت في الحارث بن قيس بن عديّ السّهمي ، وهو من عبدة الأوثان ؛ لأنه كان كلما رأى حجرا أحسن من الذي اقتناه لعبادته ، أخذه واطّرح ما عبده . وقال سبحانه :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) . في الآية الأولى استعارتان ، إحداهما قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ
[ الآية 45 ] ، أي ألم تر إلى فعل ربك ، أو إلى حكمة ربك في مدّ الظل ، فحذف هذه اللفظة لدلالة الكلام عليها ، إذ كان اللّه سبحانه لا يدرك بالمشاعر ، ولا يرى بالنواظر . وقد يجوز أن يكون معنى الرؤية هاهنا معنى العلم . فكأنه سبحانه قال : ألم تعلم حكمة ربّك في مدّ الظل ؟ وإنما أقام سبحانه ، الرؤية هاهنا مقام العلم ، لتحقّق المخاطب الذي هو النبي ( ص ) وجهة اللّه تعالى في ذلك الفعل ، فقامت معرفة قلبه مقام رؤية عينه ، قطعا باليقين ، وبعدا عن الظنون . والاستعارة الأخرى قوله تعالى :
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
وهي استعارة على القلب . لأن الظل في الشاهد يدل على الشمس ، وذلك أن الظل لا يكون إلا وهناك شمس طالعة ، فيوصف ما لم تطلع عليه لحاجز يحجز ، أو مانع يمنع ، بأنه ظل . وقد قيل : إن الظل ما كان بالغداة ، والفيء ما كان بالعشيّ . وقيل : إن الظل ما نسخته الشمس ، والفيء ما نسخ الشمس ، فعلى هذا القول يجوز أن يكون معنى قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
أي دائما لا ترد الشمس عليه فتزيله وتذهب به ، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا . أي دللناها عليه ، فهي تتحيّف من أقطاره ، وتنتقص من أطرافه ، حتى تستوفي أجمعه ، وتكون
هامش
( 1 ) . هو المؤرّخ الجغرافي النسابة : جالس الخليفة المتوكل العباسي ، ومدح المأمون ، ومات في أيام المعتمد ، سنة 279 ه . ومن كتبه « فتوح البلدان » وهو مصدر وثيق للفتوحات الإسلامية : وقد طبع في أوروبا والقاهرة . وكتاب « الأشراف » .