تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
ولعل الحكمة في تقدير تلك المهلة ، بأربعة أشهر ، أنها هي المدة التي كانت تكفي لتحقيق ما أبيح لهم من السياحة في الأرض ، والتقلّب في شبه الجزيرة ، على وجه يمكّنهم من التشاور والأخذ والرد ، مع كل من يريدون أخذ رأيه ، في تكوين الرأي الأخير . قال تعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 1 ) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ
( 2 ) . ومن رحمة الإسلام أيضا ، إباحة تأمين المشرك ، وتقرير عصمة المستأمن ، وقد أوجب اللّه على المسلمين حماية المستأمن ، في نفسه وماله ، ما دام في دار الإسلام ، وجعل لأفراد المسلمين حق إعطاء ذلك الأمان ، ( فالمسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم ) . والإسلام يبيح ، بهذا الأمان ، التبادل التجاري والصناعي والثقافي ، وسائر الشؤون ما لم يتصل شيء منها بضرر الدولة . وقد كان للإسلام من مشروعية الأمان ، وسيلة قوية لنشر دعوته ، وإيصال كلمة اللّه إلى كثير من الأقاليم النائية ، من غير حرب ولا قتال . قال تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ
( 6 ) . فالإسلام يمنح الجوار والأمان للمشرك ، الذي يبحث عن الحقيقة ، ويريد أن ينظر في الإسلام نظر تأمل ودراسة ، فيسمح له بالدخول فيما بين المسلمين والتعامل معهم ، والاختلاط بهم ، حتى يفهم حكم اللّه ودعوته . فإن اطمأن ودخل الإيمان في قلبه ، التحق بالمؤمنين ، وصار في الحكم كالتائبين . وإن لم يشرح صدره للإسلام وأراد الرجوع إلى جماعته ، حرم اغتياله ، ووجبت المحافظة عليه ، حتى يصل مكان أمنه واستقراره . وبذلك بلغ الإسلام شأوا بعيدا في حماية الفكر والنظر ، وتذليل الطريق أمام الباحثين والمفكّرين ، وحمايتهم حتى يصلوا إلى مواطن الأمان ، أيّا كانت معتقداتهم ، وصدق اللّه العظيم :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
[ البقرة : 256 ] .

غزوة تبوك

في السنة التاسعة من الهجرة ، وصلت للرسول ( ص ) أنباء ، تفيد أن
الموسوعة القرآنية ( خصائص السور ) — صفحة 231 | جعفر شرف الدين