يقال لها المظلومة والتراب الذي يخرج منها ظليم والظلم يقال في مجاوزة الحق الذي يجرى مجرى نقطة الدائرة ، ويقال فيما يكثر وفيما يقل من التجاوز ولهذا يستعمل في الذنب الكبير وفي الذنب الصغير ولذلك قيل لآدم في تعديه ظالم وفي إبليس ظالم وإن كان بين الظالمين بون بعيد . قال بعض الحكماء : الظلم ثلاثة :
الأول : ظلم بين الإنسان وبين اللَّه تعالى وأعظمه الكفر والشرك والنفاق ، ولذلك قال :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
وإياه قصد بقوله :
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
-
وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
في أي كثيرة . وقال :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ
-
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
.
والثاني : ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد بقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ
إلى قوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
وبقوله :
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
وبقوله :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً
.
والثالث : ظلم بينه وبين نفسه وإياه قصد بقوله :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
وقوله :
ظَلَمْتُ نَفْسِي
-
إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
-
فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
أي من الظالمين أنفسهم :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس فإن الإنسان في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه ، فإذا الظالم أبدا مبتدئ في الظلم ولهذا قال تعالى في غير موضع :
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
-
وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وقوله :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
فقد قيل هو الشرك بدلالة أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب النبي عليه السلام وقال لهم ألم تروا إلى قوله :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
وقوله :
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
أي لم تنقص وقوله :
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
فإنه يتناول الأنواع الثلاثة من الظلم ، فما أحد كان منه ظلم ما في الدنيا إلا ولو حصل له ما في الأرض ومثله معه لكان يفتدى به ، وقوله :
هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى
تنبيها أن الظلم لا يغنى ولا يجدى ولا يخلص بل يردى بدلالة قوم نوح . وقوله :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
وفي موضع
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
وتخصيص أحدهما بالإرادة مع لفظ العباد والآخر بلفظ الظلام للعبيد يختص بما بعد هذا الكتاب . والظليم ذكر النعام ، وقيل إنما سمى بذلك لاعتقادهم أنه مظلوم للمعنى الذي أشار إليه الشاعر :
فصرت كالهيق عدا يبتغى * قرنا فلم يرجع بأذنين