71 جدل القرآن
قد اشتمل القرآن العظيم على جميع أنواع البراهين والأدلة ، وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحذير تبنى من كليات المعلومات العقلية والسمعية وإلا وكتاب اللَّه قد نطق به ، لكن أورده على عادات العرب دون دقائق طرق المتكلمين لأمرين :
أحدهما : بسبب ما قاله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
.
والثاني : أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام ، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا ، فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة ، ليفهم العامة من جليها ، ما يقنعهم وتلزمهم الحجة وتفهم الخواص من أنبائها ما يربى على ما أدركه فهم الخطباء .
وزعم بعضهم أن المذهب الكلامي لا يوجد منه شئ في القرآن وهو مشحون به ، وتعريفه أنه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له فيه على طريقة أرباب الكلام .
ومنه نوع منطقي تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة .
فلقد ذكر أن من أول سورة الحج إلى قوله :
وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ
خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات :
قوله :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة الساعة معظما لها ، وذلك مقطوع بصحته لأنه خبر أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته منقولة إلينا بالتواتر فهو حق ، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق فاللَّه هو الحق .
وأخبر تعالى أنه يحيى الموتى ، لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر ، وحصول فائدة هذا الخبر موقوتة على إحياء الموتى ليشاهدوا تلك الأحوال التي