الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر ، فقد غيروا نعمة اللّه تعالى على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدئ أحدا بالعذاب والمضرة ، والذي يفعله لا يكون إلا جزاء على معاص سلفت ، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم ، لما صحّ ذلك « 1 » .
[ 11 ] - قوله تعالى :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( 63 )
قال القاضي : لولا ألطاف اللّه تعالى ساعة فساعة ، لما حصلت هذه الأحوال ، فأضيفت تلك المخالصة إلى اللّه تعالى على هذا التأويل ، ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه ، لأجل أنه لم يحصل ذلك إلّا بمعونة الأب وتربيته ، فكذا ههنا « 2 » .
[ 12 ] - قوله تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( 67 )
واحتجّ الجبّائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول : لا كائن من العبد إلّا واللّه يريده ، لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه ، ونصّ اللّه أنه لا يريده ، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة ، وهو الطاعة دون ما يكون فيه
هامش
( 1 ) م . ن ج 15 / 182 .
( 2 ) الرازي : التفسير الكبير ج 15 / 189 .