* *
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً :
هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الأولى . المعنى : تقدس وتعظم الله الذي . . ولم يذكر فاعل تبارك وهو اسم لفظ الجلالة اختصارا ولأنه معلوم وأعربت صفته فاعلا أي الاسم الموصول « الذي » والفعلان « تبارك » و « تقدس » بمعنى واحد . . وقوله « على عبده » يعني على الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - ونسب سبحانه عبودية محمد له جلت قدرته تكريما لنبيه وتشريفا له لكونه في أعلى مراتب العبودية لله عزّ وجل . و « نذير » صيغة « فعيل » بمعنى « فاعل » . أو يأتي بمعنى المصدر « إنذار » والفعل « تبارك » بمعنى : تكاثره خيره . . مأخوذ من البركة وهي كثرة الخير . وقيل : إن « الخير » يجمع على « خيور » و « خيار » بضم الخاء وكسرها و « الشر » وهو السوء والفساد والظلم يجمع على « شرور » قال الجوهري : يقال : رجل خير - بتشديد الياء - وخير - بتسكين الياء - مثل « هين وهين » وكذا يقال : امرأة خيرة وخيرة . قال تعالى في سورة « التوبة » :
وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ
وهو جمع « خيرة » وهي الفاضلة من كل شيء . وقيل : خيرات هنا بمعنى : خيرات - بتشديد الياء - حسان الوجوه . جمع « خيرة » جاءت في الآية مخففة مثل هين وميت وميت . قال الشاعر :
ففي الهيجاء ما جربت نفسي * ولكن في الهزيمة كالغزال
ألا إن خير الناس حيا وميتا * أسير ثقيف عندهم في السلاسل
* *
إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ :
في هذا القول الكريم الوارد في الآية الكريمة الرابعة حذفت الصفة أو البدل المشار إليه . . اختصارا لأنه معلوم . التقدير والمعنى : ما هذا القرآن إلا اختلاق .
* *
افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ :
أي اختلقه وأعانه على جمعه قوم آخرون . . يقال : استعان به فأعانه وقد يعدى بنفسه فيقال استعانه . والعون : هو الظهير على الأمر والاسم المعونة والمعانة أيضا بفتح الميم . . ووزن « المعونة » مفعلة بضم العين وبعضهم يجعل الميم أصلية ويقول هي مأخوذة من « الماعون » قال تعالى في سورة « الماعون » : « ويمنعون الماعون » والماعون أيضا : الزكاة . . ووردت هذه اللفظة أيضا بمعنى « الزكاة » في قول الشاعر :
قوم على الإسلام لما يمنعوا * ما عونهم ويهللوا التهليلا
يقول : هم قوم على الإسلام لم يمنعوا الزكاة ولم يضيعوا الصلاة . . وعبر عن « الصلاة » بالتهليل وقيل : الماعون : ما يستعار في العادة من الفأس والقدر والدلو ونحوها . وعن عائشة - رضي الله عنها - : الماء والنار والملح في قوله تعالى في الآية المذكورة وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار وقبيحا في المروءة في حال الضرورة .
* * سبب نزول الآية : نزلت هذه الآية الكريمة الرابعة من سورة « الفرقان » في النضر بن الحارث الذي قال هذا القول بعد أن أسلم ثلاثة غلمان من أهل الكتاب .
* *
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا :
هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الخامسة . . أي قالوا هذا القرآن أكاذيب المتقدمين أي كتبها لنفسه ليحفظها ومن أحسن ما قيل في تفسيرها ما ذكره الزمخشري : المعنى : اكتتبها كاتب له لأنه أي محمدا صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب بيده وذلك من تمام إعجازه . . ثم حذفت اللام أي من « له » فأفضى الفعل « اكتتب » إلى الضمير فصار : اكتتبها إياه كاتب كقوله تعالى : » واختار موسى قومه » . ثم بنى الفعل للضمير الذي هو « إياه » فانقلب مرفوعا مستترا بعد أن كان بارزا منصوبا وبقي ضمير الأساطير على حاله فصار اكتتبها .