الياس مما في أيدي الناس " « 1 » . . . ، وبذلك لم يخض لسانه في فتنة ولم تهف نفسه إلى مطمع . . . ، وهذا مصعب بن عمير الذي ترك كل أسباب الترف من أجل الإسلام وأبو ذر الغفاري الذي جهر بإسلامه في المسجد ولاقى من المشركين أشد الإيذاء . . . ، وبلال بن رباح الذي وضعه المشركون عريانا فوق الجمر وفوق الرمال الملتهبة في أيام القيظ الشديدة ، ثم يأتون بالحجر الملتهب ، يحمله الرجال ثم يلقونه فوق جسده وصدره ، ولكنه ضرب أروع الأمثلة في تحدى هؤلاء الكفرة وظل يردد ثابتا أحد أحد . . . ، وهذا هو عبد اللّه بن مسعود أول من صدح بالقرآن الكريم في وجه المشركين ولاقى ما لاقاه منهم دون أن يتزعزع . . ، وهذا هو حذيفة بن اليمان الذي نفذ أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو من أصعب المهام ، حين أمره بأن يتسلل إلى معسكر الأعداء ويقتحمه ليعرف أخبارهم يوم غزوة الخندق ، وحين اشتدت الريح وخيم الظلام على أرجاء المعسكر بعد انطفاء نيرانهم ، وعند ذلك يتسلل حذيفة ويأخذ مكانه بين صفوف المشركين ، وحين يدرك أبو سفيان خطورة الموقف ، فينادى قائلا : يا معشر قريش ، لينظر كل منكم جليسه ، وليأخذ بيده وليعرف اسمه فيقول حذيفة ، فسارعت إلى يد الرجل الذي بجوارى ، وقلت له من أنت فقال فلان بن فلان ، « 2 » ويعد هذا الموقف من أخطر المواقف التي يمكن أن يتعرض لها رجل في مثل تلك الظروف ، لذلك شارك بنجاح في الكثير من الفتوحات الإسلامية كفتوح العراق جميعها ، ولقد كان الفتح بأمر اللّه على يديه في الكثير من المواقع كهمدان والري والدينور ، ولقد خاض معركة نهاوند العظمى ضد الفرس ، وانتهت المعركة بالهزيمة الساحقة للفرس رغم عددهم البالغ مائة وخمسين ألفا ، وكانت من أشد معارك التاريخ فدائية وعنفا ، فلقد كان حذيفة بتأييد اللّه واسع الذكاء ، متنوع الخبرة في المعارك ، عالما بأمر الدنيا والآخرة ، فكان يقول للمسلمين ليس خياركم اللذين يتركون الدنيا للآخرة ولا اللذين يتركون الآخرة للدنيا ، ولكن اللذين يأخذون من هذه ومن هذه ، وحين جاء الموت ،
هامش
( 1 ) أمثلة ومواقف عن الصحابي - أبى أيوب الأنصاري - المرجع السابق .
( 2 ) رجال حول الرسول - الحديث عن موقف الصحابي - حذيفة بن اليمان - رضى اللّه عنه .