تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6154

مساهمون:

ص٦١٥٤
دعائه لحصوله عنده ، وإن لم يكن الدعاء سببا للفرار في الحقيقة ) وقال ابن كثير : أي : كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فروا منه وحادوا عنه
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ
إلى الإيمان بك وعبادتك وتقواك
لِتَغْفِرَ لَهُمْ
أي : ليؤمنوا فتغفر لهم
جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
أي : سدوا مسامعهم لئلا يسمعوا كلامي
وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ
أي : وتغطوا بثيابهم لئلا يبصروني كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله ، قال ابن عباس : تنكروا له لئلا يعرفهم ، وقال سعيد بن جبير : أي : غطوا رؤوسهم لئلا بسمعوا ما يقول
وَأَصَرُّوا
أي : وأقاموا على كفرهم ، أي : استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع
وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
أي : تعظموا عن إجابتي ، واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً
أي : مجاهرا ، أي : جهرة بين الناس . قال النسفي : يعني : أظهرت لهم الدعوة في المحافل
ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ
أي : كلاما ظاهرا بصوت عال
وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً
قال ابن كثير : أي : فيما بيني وبينهم ، فنوع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم ، وقال النسفي : ( أي : خلطت دعاءهم بالعلانية بدعاء السر فالحاصل أنه دعاهم ليلا ونهارا في السر ، ثم دعاهم جهارا ثم دعاهم في السر والعلن ، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف يبتدئ بالأهون ، ثم بالأشد فالأشد ، فافتتح بالمناصحة في السر ، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة ، فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان ، و ( ثم ) تدل على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما ) . أقول : وفي ذلك كله درس جديد من دروس الدعوة أن يلجأ الداعية إلى كل الوسائل العلنية والسرية لتبليغ دعوته بالمحاضرة والخطاب المنفرد والجهر والسر .

كلمة في السياق :

1 - عرض نوح عليه السلام في هذا الجزء من المجموعة الثانية مجمل ما فعل وتصرف ، وسيأتي الجزء الثاني من المجموعة ليعرض نوح عليه السلام فيه تفصيل ما كان يقوله لهم في دعوته كما سنرى . 2 - نلاحظ أن نوحا لم يترك وسيلة إلا سلكها ، وكانت الحصيلة زيادة العناد والإصرار ، وفي ذلك نموذج على أن الكفر إذا تأصل لا ينفع معه إنذار ، وصلة ذلك بمحور السورة واضحة :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
فهذه أمة لم يترك رسولها وسيلة لهدايتها إلا سلكها ، ولم ينتج عن ذلك