( والثاني ) طور سينين ، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ( والثالث ) مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا ، وهو الذي أرسل فيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قالوا : وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة : جاء الله من طور سيناء - يعني : الذي كلم الله عليه موسى بن عمران - وأشرق من ساعير - يعني :
جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران يعني : جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا صلى الله عليه وسلم فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتبهم في الزمان ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهم ) .
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
قال ابن كثير : هذا هو المقسم عليه .
( وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل ، منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها ) وقال النسفي : أي : في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية أعضائه
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
قال ابن كثير : أي : إلى النار . . . أي : ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار ، إن لم يطع الله ويتبع الرسل ، وقال النسفي : ( أي : ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل ، خلقا وتركيبا يعني : أقبح من قبح صورة وهم أصحاب النار ، أو أسفل من سفل من أهل الدركات ، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله ، وابيض شعره بعد سواده ، وتشثن جلده ، وكل سمعه وبصره ، وتغير كل شئ منه ، فمشيه دلف ، وصوته خفات ، وقوته ضعف ، وشهامته خرف ) .
أقول : وقد رد ابن كثير هذا القول الأخير ، ولو اختاره ابن جرير ، فقال : ( ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك ، لأن الهرم قد يصيب بعضهم ، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى :
وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
فهؤلاء لا يردون إلى أسفل سافلين بل
فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
أي : غير مقطوع ) . أقول : وهذا يؤكد كلام ابن كثير بأن المراد رده أسفل سافلين في الآخرة ، بدليل أن المستثنين ذكر مآلهم في الآخرة ، فما ذهب إليه ابن جرير وجه ضعيف .
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
أي : بالجزاء في المعاد . قال النسفي :
( الخطاب للإنسان على طريقة الالتفات ، أي : فما سبب تكذيبك - بعد هذا البيان القاطع والبرهان الساطع - بالجزاء ؟ أو المعنى : إن خلق الإنسان من نطفة ، وتقويمه