تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6205

مساهمون:

ص٦٢٠٥
سننزل عليك قولا ثقيلا أي : القرآن لما فيه من الأوامر والنواهي ، التي هي تكاليف شاقة ، ثقيلة على المكلفين ، أو ثقيلا على المنافقين ، أو كلام له وزن ورجحان ، ليس السفساف الخفيف ) . أقول : إن التخلق بالقرآن والقيام بأوامره وتعليم ذلك للناس ، وتبليغهم إياه ، وتربيتهم عليه ، كل ذلك ثقيل على النفس البشرية ، ولا يخفف عبء هذا الحمل إلا صلة عظيمة بالله عزّ وجل ، ولذلك جاء قوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
، وكأنه تعليل للأمر بقيام الليل ، وترتيل القرآن فيه ، فعلى كل من يتصدر للدعوة إلى الله عزّ وجل وتربية الخلق أن يكون له حظ من قيام الليل ، ثم قال تعالى :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ
أي : قيام الليل ، أو العبادة التي تنشأ بالليل ، أي : تحدث أو ساعات الليل ، وأوقاته لأنها تنشأ ساعة فساعة ، قال ابن كثير : وكل ساعة منه تسمى ناشئة ، وهي الآنات
هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً
أي : أثقل على المصلي من صلاة النهار لطرد النوم في وقته
وَأَقْوَمُ قِيلًا
أي : وأشد مقالا وأثبت قراءة لهدوء الأصوات ، وانقطاع الحركات ، قال ابن كثير : أي : أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار ، لأنه وقت انتشار الناس ، ولغط الأصوات ، وأوقات المعاش ، وقال : والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة . أقول : في الآية تعليل ثان للأمر بقيام الليل ، وهو ثقله على النفس ، وكونه أجمع للقلب على الله عزّ وجل ، وبالتالي فهو أكثر تأثيرا وتقويما للنفس ، ثم قال تعالى :
إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا
أي : فراغا طويلا لنومك وراحتك ، أو تصرفا وتقلبا في مهماتك وشواغلك ، ففرغ نفسك في الليل لعبادة ربك ، أقول : في هذه الآية تعليل ثالث للأمر بقيام الليل ، وحض على هذا القيام ، فالنهار كاف لقضاء الحاجات ، وهو محلها العادي ، فاجعله لقضاء حاجتك ولراحتك ، وخل الليل الله
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ
قال النسفي : ( أي : ودم على ذكره في الليل والنهار ) وذكر الله يتناول التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة وتلاوة القرآن ودراسة العلم ، وقال ابن كثير : ( أي : أكثر من ذكره ، وانقطع إليه ، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك ، وما تحتاج إليه من أمور دنياك ) . أقول : أي : اجمع بين قيام الليل والاشتغال بذكر اسم الله عزّ وجل ، ثم قال تعالى :
وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
قال النسفي : ( انقطع إلى عبادته عن كل شئ ، والتبتل : الانقطاع إلى الله تعالى بتأميل الخير منه دون غيره ، وقيل رفض الدنيا وما فيها ، والتماس ما عند الله ، وما ذكره ابن كثير في تفسير التبتل يدور بين الإخلاص
الأساس في التفسير — صفحة 6205 | سعيد حوى