تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6203

مساهمون:

ص٦٢٠٣
قدم ابن كثير لتفسير هذه السورة بقوله : ( روى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر قال : اجتمعت قريش في دار الندوة ، فقالوا : سموا هذا الرجل اسما يصدر الناس عنه ، فقالوا : كاهن ، قالوا : ليس بكاهن ، فقالوا : مجنون ، قالوا : ليس بمجنون ، قالوا : ساحر ، قالوا : ليس بساحر ، فتفرق المشركون على ذلك ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتزمل في ثيابه وتدثر فيهما فنزل جبريل عليه السلام فقال :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
قال البزار : معلى بن عبد الرحمن - وهو من رجال سند الحديث - قد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكن تفرد بأحاديث لا يتابع عليها ) . أقول : من هذه الرواية يفهم أن التآمر العنيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي أهمه هما أقعده جاءت سورتا المزمل والمدثر لتعالجاه ، وهذا معنى مهم ينبغي أن يفطن له ، فإذا تذكرنا قوله تعالى في سورة الجن :
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
ندرك صلة سورتي المزمل والمدثر بما قبلهما من سور مجموعتهما ، ومن ثم فإن ما ورد في هاتين السورتين ينبغي أن يعطيه كل من يشتغل بالدعوة إلى الله عزّ وجل مداه التطبيقي . وقد نقل صاحب الظلال الرواية التي ذكرها ابن كثير ، ثم ذكر الرواية الأخرى التي تذكر كسبب نزول ، وعلق عليها وهذا كلامه : ( وتروى رواية أخرى تتكرر بالنسبة لسورة المدثر كذلك - كما سيجئ في عرض سورة المدثر إن شاء الله . وخلاصتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحنث في غار حراء - قبل البعثة بثلاث سنوات - أي : يتطهر ويتعبد - وكان تحنثه - عليه الصلاة والسلام - شهرا من كل سنة - وهو شهر رمضان - يذهب فيه إلى غار حراء على مبعدة نحو ميلين من مكة ، ومعه أهله قريبا منه . فيقيم فيه هذا الشهر ، يطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة . . . وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة ، وتصوراتها الواهية ، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ، ولا منهج محدد ، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه . وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفا من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر
الأساس في التفسير — صفحة 6203 | سعيد حوى