تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 6204

مساهمون:

ص٦٢٠٤
العظيم . ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه ، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة ؛ ويفرغ لموحيات الكون ، ودلائل الإبداع ؛ وتسبح روحه مع روح الوجود ؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال ؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم . ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى . . . لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت ، وانقطاع عن شواغل الأرض ، وضجة الحياة ، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة . لا بد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة . فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له ، فلا تحاول تغييره . أما الانخلاع منه فترة ، والانعزال عنه ، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير ، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر ، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس ، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع ! وهكذا دبر الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى ، وتغيير وجه الأرض ، وتعديل خط التاريخ . . . دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات ) .

تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى :

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
أي : المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه ، أي : تلفف بها ، قال ابن كثير : يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك التزمل : وهو التغطي في الليل ، وينهض إلى القيام لربه عزّ وجل . . . وقد كان واجبا عليه وحده . . . وهاهنا بين له مقدار ما يقوم
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ
أي : من النصف
قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
أي : على النصف ، قال ابن كثير : أي : أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل ، لا حرج عليك في ذلك
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
قال ابن كثير : أي : اقرأه على تمهل فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره ، قال النسفي : أي : بين وفصل القرآن تبيانا وتفصيلا ، أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف ، وحفظ الوقوف ، وإشباع الحركات
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
قال ابن كثير : قال الحسن وقتادة : أي : العمل به وقيل : ثقيل وقت نزوله من عظمته ، وقال النسفي : ( أي :