تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5460

مساهمون:

ص٥٤٦٠
وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به ، إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه ، وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع على أخفى الخفيات ، وإنما ذلك لحكمة ، وهو ما في كتبة الملكين وحفظهما ، وعرض صحائف العمل يوم القيامة من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في الحسنات )
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
أي : ما يتكلم به وما يرمي به من فمه
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ
أي : حافظ
عَتِيدٌ
حاضر ، وهذا وصف لكل من الملكين ، وليس كما فهم بعضهم أن اسم الواحد منهم رقيب ، والثاني عتيد . قال النسفي : ( ثم قيل يكتبان كل شئ حتى أنينه في مرضه ، وقيل لا يكتبان إلا ما فيه أجر أو وزر ) ورجّح ابن كثير الأول ثم قال النسفي : ( وقيل إن الملكين لا يجتنبانه إلا عند الغائط والجماع ) أقول : ولكنهما يعلمان حتى في حالة مفارقته ما يقول ويفعل ويكتبانه ، ولنا عودة على هذا في الفوائد
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ
أي : شدته الذاهبة بالعقل
بِالْحَقِّ
أي : بحقيقة الأمر أو بالحكمة أو باليقين
ذلِكَ
أي : الموت
ما كُنْتَ مِنْهُ
أيها الإنسان
تَحِيدُ
أي : تنفر وتهزب ، والمعنى : وجاءت - أيها الإنسان - سكرة الموت بالحق ، أي كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ، وهذا هو الذي كنت تفرّ منه ، قال ابن كثير : ( واختلف المفسرون في المخاطب . . فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو ، وقيل الكافر ، وقيل غير ذلك ) قال النسفي في الآية : لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بقدرته وعلمه ، أعلمهم أن ما أنكروه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة ، ونبّه على اقتراب ذلك بأن عبّر عنه بلفظ الماضي وهو قوله
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ . . .
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
قال النسفي : يعني نفخة البعث
ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
أي : وقت ذلك النفخ يوم الوعيد الذي أوعده اللّه عزّ وجل خلقه وحذّرهم إياه
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
قال ابن كثير : أي ملك يسوقه إلى المحشر ، وملك يشهد عليه بأعماله ، هذا هو الظاهر من الآية ، وهو اختيار ابن جرير
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا
النازل بك اليوم ، أي : يقال له ذلك
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
أي : فأزلنا غفلتك بما تشاهده
فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
أي : قوي . قال ابن كثير : لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة ، لكن لا ينفعهم ذلك ، وقال النسفي : ( جعلت الغفلة كأنها غطاء غطي به جسده كله ، أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر شيئا ، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها ، فيبصر ما لم