تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5436

مساهمون:

ص٥٤٣٦
وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة ، وسميت الشعوب ؛ لأن القبائل تشعبت منها ) . وبمناسبة هذه الآية أقول : لقد حددت الآية الحكمة من خلق اللّه عزّ وجل الناس شعوبا وقبائل بأنها التعارف ، وهذا يقرر واقعا أن هناك شعوبا وقبائل ، ويلغي أن يكون لشعب فضل عند اللّه بسبب كونه شعب كذا أو قبيلة كذا ، وإنما الفضل عند اللّه ميزانه التقوى ، فالناس يتفاوتون عند اللّه بقدر تفاوتهم في تقواهم ، ولا تنفي الآية أن يكون لشعب ميزة أو خصائص ، ولكن هذه الميزة والخصائص بسبب من استعداد هذا الشعب للتقوى ، والتزامه بها ، فاللّه عزّ وجل قال عن بني إسرائيل
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
( الدخان : 32 ) أي : على عالمي زمانهم ؛ وذلك بسبب استعدادهم الأعلى في زمانهم للتقوى ، وبسبب من كونهم أكثر الناس التزاما بما أنزل عليهم في زمانهم ، واللّه عزّ وجل اختار العرب - وقريش من العرب - لحمل رسالته الأخيرة الخاتمة بسبب استعدادهم الأعلى لذلك ، فشرّفهم بالرسالة فقال تعالى :
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
( الزخرف : 44 ) وبسبب علمه تعالى أنهم أكثر الناس التزاما بهذه الرسالة ، وقدرة على حملها ، ومن ثم حذّرهم في حال توليهم أنّه سيستبدل لحمل رسالته غيرهم
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
( محمد : 38 ) وبهذه المناسبة نحب أن نسجل بعض المعاني التي لها علاقة بحكمة اختيار العرب لحمل الرسالة ، وحكمة اختصاص قريش بين العرب بالخلافة . إن الشعب العربي يملك طاقة نفسية هائلة ، هذه الطاقة النفسية الهائلة إن أحسن تهذيبها وتوجيهها فعلت الكثير ، وإلا كانت أداة دمار وتدمير ، تحطم بعضها . فهي تشبه ماء السيل إن أحسن حبسه ووضعه وراء السدود أمكن الاستفادة منه ، وإلا كان أداة دمار ، هذه الطاقة النفسية الضخمة عند العرب التي لم يهذبها إلا الإسلام ، وعندما هذّبها فعلت ما فعلت . قد تكون هذه الطاقة النفسية الهائلة فيها سر اختيار اللّه للعرب لحمل رسالته ، وقد تكون الحكمة في جانب آخر ، فكل الشعوب عندها استعداد للتفاعل مع الإسلام ، ولكن قد يكون العرب ساعة نزول القرآن عليهم هم أكثر الشعوب استعدادا للتفاعل الكامل الأعلى بكل جانب من جوانب الإسلام ، فاختارهم اللّه لرسالته لعلمه بذلك
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
( الأنعام : 124 ) وقريش هي أكثر العرب استعدادا لحمل هذا الدين والتفاعل معه ؛ ومن ثم نلاحظ أن أرقى الخلق في الإسلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانوا من قريش : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو عبيدة