تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5285

مساهمون:

ص٥٢٨٥
ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشرية ، المعدّة للخلافة في هذه الأرض ، ووفق مقتضيات هذه الخلافة ، وفي دائرة ما سخّره اللّه لنا ليكشف لنا عن أسراره ، ولتكون لنا ذلولا ، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض . . ولا نتعدى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها . . مهما امتد بنا الأجل - ومهما سحر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره - لا تتعدى تلك الدائرة . دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض . وفق حكمة اللّه وتقديره . وسنكشف كثيرا ، وسنعرف كثيرا ، وستتفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته ، مما قد تعتبر أسرار الذرة بالقياس إليه لعبة أطفال ! ولكننا سنظل في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة . وفي حدود قول اللّه - سبحانه -
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
( الإسراء : 85 ) . قليلا بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيومه . وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود ؛ ووسائل المعرفة البشرية المحدودة بقوله :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
( لقمان : 27 ) . فليس لنا - والحالة هذه - أن نجزم بوجود شئ أو نفيه . وبتصوره أو عدم تصوره . من عالم الغيب المجهول ، ومن أسرار هذا الوجود وقواه ، لمجرد أنه خارج عن مألوفنا العقلي أو تجاربنا المشهودة . ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها ، فضلا عن إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا ! وقد تكون هنالك أسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلا . وأسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه ، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده ، لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض . فإذا كشف اللّه لنا عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى . عن طريق كلامه - لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضا - فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم . نتلقاها كما هي فلا نزيد عليها ولا ننقص منها . لأن المصدر الوحيد الذي نتلقى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة . وليس هنالك مصدر آخر نتلقى عنه مثل هذه الأسرار ! ومن هذا النص القرآني . ومن نصوص سورة الجن . والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه . ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجن . ومن الآثار النبوية الصحيحة عن هذا الحادث . نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن . . ولا زيادة . . هذه الحقائق تتلخص في أن هنالك خلقا اسمه الجن . مخلوق من النار . لقول إبليس في الحديث عن آدم :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
( ص : 76 ) . . وإبليس من
الأساس في التفسير — صفحة 5285 | سعيد حوى