وهذا دأب رافضي هدى اللّه في كل زمان ومكان ، أنهم ينتقصون أهل الإيمان ، وينتقصون مضمون القرآن . مرضا في العقل ، وعمى في القلب .
قال صاحب الظلال : ( ولقد سارع إلى الإسلام وسبق إليه نفر من الفقراء والموالي في أول الأمر . فكان هذا مغمزا في نظر الكبراء المستكبرين . وراحوا يقولون : لو كان هذا الدين خيرا ما كان هؤلاء أعرف منا به ، ولا أسبق منا إليه . فنحن في مكانتنا وسعة إدراكنا وحسن تقديرنا ، أعرف بالخير من هؤلاء .
والأمر ليس كذلك . فما كان يمنعهم عنه أنهم يشكون فيه أو يجهلون الحق الذي يقوم عليه . والخير الذي يحتويه . إنما كان هو الكبر عن الإذعان لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم - كما كانوا يقولون - وفقدان المراكز الاجتماعية ، والمنافع الاقتصادية ، كما كان هو الاعتزاز الأجوف بالآباء والأجداد ، وما كان عليه الآباء والأجداد . فأما الذين سارعوا إلى الإسلام وسبقوا إليه فلم تكن في نفوسهم تلك الحواجز التي منعت الكبراء والأشراف .
إنه الهوى يتعاظم أهل الكبر أن يذعنوا للحق ، وأن يستمعوا لصوت الفطرة ، وأن يسلموا بالحجة . وهو الذي يملي عليهم العناد والإعراض ، واختلاق المعاذير ، والادعاء بالباطل على الحق وأهله . فهم لا يسلمون أبدا أنهم مخطئون ؛ وهم يجعلون من ذواتهم محورا للحياة كلهم يدورون حوله ويريدون أن يديروا حوله الحياة :
إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ : هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ .
وقد ردّ اللّه عزّ وجل عليهم مبينا أن الكتاب القديم الذي أنزله - وهو التوراة - لم يكن كذبا ، بل هو إمام ورحمة وهذا القرآن مصدق له ، ومن ثم فهو إمام ورحمة ، وبشير ونذير ، وليس كما زعموه ، والملاحظ أنهم هاهنا لم يوجهوا تهمة الكذب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بل وجهوا الاتهام لمضمون القرآن ، فانصب الردّ على ذلك ، قال تعالى :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى
أي : التوراة
إِماماً وَرَحْمَةً
أي : قدوة يؤتم به في دين اللّه وشرائعه ، كما يؤتم بالإمام ، ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه
وَهذا
أي : والقرآن
كِتابٌ مُصَدِّقٌ
أي : لما بين يديه من الكتب
لِساناً عَرَبِيًّا
أي :
باللسان العربي ، وأما مضمونه فموجود في الكتب السابقة . قال ابن كثير : ( أي :
فصيحا بيّنا واضحا )
لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي : لينذر هذا القرآن العربي الكافرين
وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ
أي : وليبشر المؤمنين المطيعين . فكتاب اجتمع له التصديق للكتب السابقة ، والإعجاز والتبشير والإنذار ، ليس من الإفك القديم ، بل من الحق