تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5248

مساهمون:

ص٥٢٤٨
وزعمت أنه أرسلني وليس كذلك ، لعاقبني أشد العقوبة ، ولم يقدر أحد من أهل الأرض - لا أنتم ولا غيركم - أن يجيرني منه . فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه وأنا أعلم ذلك .
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ
أي : بما تسهبون فيه من القدح في وحي اللّه ، والطعن في آياته ، وتسميته سحرا تارة ، وفرية تارة أخرى
كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
أي : يشهد لي بالصدق والبلاغ ، ويشهد عليكم بالجحود والإنكار . قال النسفي : ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم . وقال ابن كثير : هذا تهديد لهم ووعيد أكيد وترهيب شديد . أقول : أمره بأن يرد عليهم بأن اللّه عزّ وجل يغار أن يفترى عليه ، ويعاقب على ذلك ، كما يغار أن يكذّب وحيه ورسوله ، ومن ثم ففعل اللّه عزّ وجل بالفريقين يدل على من هو صاحب الحق . وقد حكم اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم فنصره وأيّده ، ونشر دينه ، وتوفاه وهو على أكمل حال ، وفي ذلك دليل صدقه في رسالته ، إذ لو ادعى الرسالة عن اللّه كذبا لغضب اللّه وعاقبه في الدنيا . ولا يقولن قائل : إن كثيرين تنتشر دعواتهم وهم غير مستقيمين ، فالكلام عمن يدّعي أنّه رسول اللّه ، فإن مثل هذا إن كان كاذبا يعاقبه اللّه في الدنيا . ثم ختم اللّه الآية بقوله :
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
أي : هو على مغفرته ورحمته يعاقب من كذب عليه . وفي ختم الآية بذلك دعوة لهم إلى التوبة والإنابة ، وترغيب لهم بذلك . قال ابن كثير : أي ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم تاب اللّه عليكم ، وعفا عنكم ، وغفر ورحم . هذا هو الجواب الأول على اتهام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأنه افترى القرآن على اللّه من عند نفسه . فلنر الجواب الثاني . الجواب الثاني :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
أي : ما كنت بديعا من الرسل . قال النسفي : ( والمعنى لست بأول رسول فتنكروا نبوتي ) وقال ابن كثير : أي لست بأول رسول طرق العالم ، بل قد جاءت الرسل من قبلي ، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني ، وتستبعدون بعثتي إليكم ، فإنه قد أرسل اللّه جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم ) . فإذا كان هذا هو الشأن ، وكانت تظهر معي علامات النبوة وخصائصها فعلام تستنكرون الوحي الذي أنزله علي وأنا لا أدعي إلا العبودية له سبحانه ، ولا أدعي مقاما فوق مقام البشر . ومن ثم أتمّ اللّه الحجة ، آمرا رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يقول
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
أي : وما أعلم ما يفعل اللّه بي وبكم فيما يستقبل من الزمان ، أي في الدنيا قال ابن كثير : ( قال الحسن البصري : أما في الآخرة فمعاذ اللّه ،