شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله فآمن به ، مع استكباركم عنه ، وعن الإيمان به ألستم أضل الناس وأظلمهم ؟ ! ) .
أقول : دلّل هذا الجواب على أن القرآن ليس مفترى ؛ بمطابقة معانيه لمعاني الكتب المنزلة من قبل ، يشهد على ذلك علماء بني إسرائيل المنصفون ، ولكن هذه الحجة جاءت في سياق وعظي آمرناه ، فاجتمع في الآية الأخيرة الحجّة والأمر والنّهي والإنكار والتبيان والوعظ بآن واحد ، لأنها مع كونها حجة جديدة وردا جديدا ، فهي خاتمة للآيات التي ردت على اتهام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بافترائه هذا القرآن .
كلمة في السياق :
بعد أن أقام اللّه عزّ وجل الحجة على الكافرين في أن هذا القرآن من عنده ، يعرض لنا موقفا آخر من مواقفهم تجاه القرآن ، وهو موقف غاية في الكبر ، إذ يستدلون على أن هذا القرآن ليس فيه خير بسبق المستضعفين إليه ، وإيمانهم به ، ثم يستدرجهم الكبر إلى اتهام جديد لهذا القرآن . ومن خلال هذا العرض نرى كيف أن السورة تلاحق كل ما يصرف عن العبادة للّه التي توصّل إلى الاهتداء بكتاب اللّه ، فلنر شبهة الكافرين الجديدة :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا
أي : عن الذين آمنوا فاللام هنا بمعنى عن
لَوْ كانَ
أي : القرآن
خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
أي : ما سبقنا هؤلاء المستضعفون إليه . قال ابن كثير : يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا . رضي اللّه عنهم ، وأشباههم وأضرابهم من المستضعفين والعبيد والإماء ، وما ذاك إلا لأنهم يعتقدون أن لهم عند اللّه وجاهة ، وله بهم عناية ، وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا ، وأخطئوا خطأ بيّنا ، كما قال تبارك وتعالى
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
( الأنعام : 53 ) أي : يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا ، ولهذا قالوا
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
وأمّا أهل السنّة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي اللّه عنهم : ( هو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه ، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها ) ثم قال تعالى عن هؤلاء المستكبرين
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ
أي : بالقرآن
فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
أي كذب متقادم أي كذب قديم ، أي مأثور عن الناس الأقدمين . فاجتمع لهم بذلك انتقاص القرآن وأهله ،