تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5245

مساهمون:

ص٥٢٤٥
من علم أيا كان نوعه يشهد على أن هناك خالقا مع اللّه . حتى يصح أن يعبد معه ، هاتوا دليلا بينا على هذا المسلك الذي سلكتموه من عقل أو نقل أو تجريب
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في دعواكم أن مع اللّه إلها آخر يعبد قال ابن كثير : أي لا دليل لكم - لا نقليا ولا عقليا - على ذلك .

كلمة في السياق : [ حول مناقشة من لا يعبد اللّه وإقامة الحجة عليه ]

لم يذكر اللّه عزّ وجل في مقدمة السورة موضوع العبادة بل قال
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ
بينما جاء النقاش هنا منصبّا على عبادة غير اللّه ، مما يدل على أن علة الكفر عبادة غير اللّه ، وقد بين اللّه عزّ وجل في معرض نقض هذه العبادة أن العبادة لا تنبغي إلا للخالق ، وليس هناك من دليل علمي أو نقلي يثبت أن مع اللّه خالقا ، بل الدليل العلمي والنقلي على أن اللّه وحده هو الخالق ، ومن ثم فإنه وحده يستحق العبادة ، فليعبده الإنسان . وإذا تذكرنا أن محور السورة يبدأ بقوله تعالى في سورة البقرة
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
إذا تذكرنا هذا عرفنا أن السورة بدأت تناقش من لا يعبد اللّه ، وتقيم الحجة عليه ، وقد رأينا كيف أن الحجة كانت قاطعة ومعجزة ، ففي عصرنا ندرك أبعاد قوله تعالي
أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ
ففي ذلك تحد كامل لكل كافر أن يستطيع أن يأتي بأدنى دليل علمي على أن غير اللّه قد خلق ، فإذا كانت الكتب السماوية والعلم يشهدان أن اللّه هو الخالق ، وأنه يجب أن يعبد وحده فكيف يفر الفارون من عبادته ، وهاهنا نحب أن نسجّل فكرة ، وهي أن الملحدين يدّعون أنهم علميون وعقليون ، وكذبوا ؛ فالإلحاد شرك من نوع جديد . فبدلا من أن يكون المشرك الوثني يعبد جزءا من الكون ، فإن الملحدين خلعوا على مجموع الكون صفات الألوهية ، من خلق ورزق وحكمة ، وبدلا من أن يعبدوا أجزاء في الكون - كما فعل الوثني - عبدوا شهواتهم ونزواتهم وأهواءهم وآراءهم الفاسدة ، ولنعد إلى التفسير : فبعد أن أقام اللّه عزّ وجل الحجة على المشركين بهذا الشكل القاطع المعجز الذي رأيناه يبيّن في الآيتين التاليتين أنه لا أضل من هؤلاء :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا
أي : يعبده
مِنْ دُونِ اللَّهِ
من الأصنام والأنداد والشركاء
مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ
إن دعاه
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ
مع عدم استجابتهم