رضي اللّه تعالى عنهم - بعده - عليه الصلاة والسلام - ، وكانت بينهم أيضا في الأحكام كقتال أهل الرّدة وميراث الجد وعدد حدّ الخمر وغير ذلك . والمراد بالأحكام ما لم يكن لهم فيه نص شرعي فالشورى لا معنى لها ، وكيف يليق بالمسلم العدول عن حكم اللّه - عزّ وجل - إلى آراء الرجال واللّه سبحانه هو الحكيم الخبير . ويؤيد ما قلنا ما أخرجه الخطيب عن علي - كرم اللّه تعالى وجهه - قال : قلت يا رسول اللّه الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن ، ولم يسمع منك فيه شئ قال : اجمعوا له العابدين من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد ، وينبغي أن يكون المستشار عاقلا كما ينبغي أن يكون عابدا ، فقد أخرج الخطيب أيضا عن أبي هريرة - مرفوعا - :
« استرشدوا العاقل ترشدوا ، ولا تعصوه فتندموا » . والشورى - على الوجه الذي ذكرناه - من جملة أسباب صلاح الأرض ، ففي الحديث « إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم أسخياءكم وأمركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأمركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها » . وإذا لم تكن على ذلك الوجه كان إفساد الدين والدنيا أكثر من إصلاحها ) .
وقال صاحب الظلال عند الآية نفسها :
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
:
والتعبير يجعل أمرهم كله شورى ؛ ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة . وهو - كما قلنا - نص مكي ، كان قبل قيام الدولة الإسلامية . فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين . إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد .
والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية . والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية .
ومن ثم كان طابع الجماعة في الشورى مبكرا ، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشؤون الحكم فيها . إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية ، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية ، وهي من ألزم صفات القيادة .
أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوبا في قالب حديدي ، فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان ؛ لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية .
والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالا جامدة ، وليست نصوصا حرفية ، إنما هي -