تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5011

مساهمون:

ص٥٠١١
إنها إيماءة عجيبة إلى انقياد هذا الكون للناموس ، وإلى اتصال حقيقة هذا الكون بخالقه اتصال الطاعة والاستسلام لكلمته ومشيئته . فليس هنالك إذن إلا هذا الإنسان الذي يخضع للناموس كرها في أغلب الأحيان . إنه خاضع حتما لهذا الناموس ، لا يملك أن يخرج عنه ، وهو ترس صغير جدا في عجلة الكون الهائلة ؛ والقوانين الكونية الكلية تسري عليه رضي أم كره . ولكنه هو وحده الذي لا ينقاد طائعا طاعة الأرض والسماء . إنما يحاول أن يتفلّت ، وينحرف عن المجرى الهين اللين ، فيصطدم بالنواميس التي لا بد أن تغلبه - وقد تحطّمه وتسحقه - فيستسلم خاضعا غير طائع . إلا عباد اللّه الذين تصطلح قلوبهم وكيانهم وحركاتهم وتصوراتهم وإرادتهم ورغباتهم واتجاهاتهم . تصطلح كلها مع النواميس الكلية ، فتأتي طائعة ، وتسير هينة لينة ، مع عجلة الكون الهائلة ، متجهة إلى ربها مع الموكب ، متصلة بكل ما فيه من قوى . . وحينئذ تصنع الأعاجيب ، وتأتي بالخوارق ، لأنها مصطلحة مع الناموس ، مستمدة من قوته الهائلة ، وهي منه وهو مشتمل عليها في الطريق إلى اللّه
طائِعِينَ
. إننا نخضع كرها . فليتنا نخضع طوعا . ليتنا نلبي تلبية الأرض والسماء . في رضى وفي فرح باللقاء مع روح الوجود الخاضعة المطيعة الملبية المستسلمة للّه رب العالمين . إننا نأتي أحيانا حركات مضحكة . . عجلة القدر تدور بطريقتها . وبسرعتها . ولوجهتها . وتدير الكون كله معها . وفق سنن ثابتة . . ونأتي نحن فنريد أن نسرع . أو أن نبطئ . نحن من بين هذا الموكب الضخم الهائل . نحن بما يطرأ على نفوسنا - حين تنفك عن العجلة وتنحرف عن خطر السير - من قلق واستعجال وأنانية وطمع ورغبة ورهبة . . ونظل نشرد هنا وهناك والموكب ماض . ونحتك بهذا الترس وذاك ونتألم . ونصطدم هنا وهناك ونتحطم . والعجلة ماضية في سرعتها وبطريقتها إلى وجهتها . وتذهب قوانا وجهودنا كلها سدى . فأما حين تؤمن قلوبنا حقا ، وتستسلم للّه حقا ، ونتصل بروح الوجود حقا . فإننا - حينئذ - نعرف دورنا على حقيقته ؛ وننسق بين خطانا وخطوات القدر ؛ ونتحرك في اللحظة المناسبة بالسرعة المناسبة ، في المدى المناسب . نتحرك بقوة الوجود كله مستمدة من خالق الوجود . ونصنع أعمالا عظيمة فعلا . دون أن يدركنا الغرور . لأننا نعرف مصدر القوة التي صنعنا بها هذه الأعمال العظيمة . ونوقن أنها ليست قوتنا الذاتية . إنما هي كانت هكذا لأنها متصلة بالقوة العظمى .
الأساس في التفسير — صفحة 5011 | سعيد حوى