على أن هناك حالات كثيرة يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة . ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة . لقد انتصر محمد صلّى اللّه عليه وسلم في حياته .
لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض . فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمن على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعا - من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة - فيشاء اللّه أن ينصر صاحب هذه العقيدة في حياته ليحقق هذه العقيدة في صورتها الكاملة ، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة . ومن ثم اتصلت صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة ، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية . وفق تقدير اللّه وترتيبه .
وهنالك اعتبار آخر تحسن مراعاته كذلك . إن وعد اللّه قائم لرسله وللذين آمنوا .
ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها . وحقيقة الإيمان كثيرا ما يتجوز الناس فيها . وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب من الشرك في كل صوره وأشكاله . وإن هنالك لأشكالا من الشرك خفية ؛ لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه للّه وحده ، ويتوكل عليه وحده ، ويطمئن إلى قضاء اللّه فيه وقدره عليه ، ويحس أن اللّه وحده هو الذي يصرفه فلا خيرة له إلا ما اختار اللّه . ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضى والقبول . وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي اللّه ، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير . فسيكل هذا كله للّه . ويلتزم . ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير . . وذلك معنى من معاني النصر . . النصر على الذات والشهوات . وهو النصر الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال .
كلمة في الفقرة الأولى من هذا المقطع وفي مقدمة السورة :
1 - بدأ هذا المقطع بقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ
. ثم جاءت قصة موسى عليه السلام نموذجا على تعذيب اللّه لمن كذّب الرسل ، حتى إذا استقر هذا المعنى يتوجّه الآن الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم آمرا إياه بالصبر ، فإذا تذكرنا مقدمة سورة ( ص ) التي تفصّل في نفس المحور الذي تفصّل فيه سورة غافر ، فإننا نلاحظ أنّه قد جاء بعد مقدمة السورة قوله تعالى
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
وهاهنا بعد إذ