تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4970

مساهمون:

ص٤٩٧٠
يستشهد ، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد . . فأين وعد اللّه لهم بالنصر في الحياة الدنيا ؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ، ويفعل بها الأفاعيل ! . ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور . ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير . إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان ، وحيّز محدود من المكان . وهي مقاييس بشرية صغيرة . فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان ، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان . ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك . وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها . فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها . وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها ! . والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صورة معينة معهودة لهم ، قريبة الرؤية لأعينهم . ولكن صور النصر شتى . وقد يلتبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة . إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها . . أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة ؟ ما من شك - في منطق العقيدة - أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار . كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار . هذه صورة وتلك صورة . وهما في الظاهر بعيد من بعيد . فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب ! . . والحسين - رضوان اللّه عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب ، المفجعة من جانب ؟ أكانت هذه نصرا أم هزيمة ؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة . فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصرا . فما من شهيد في أرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف ، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان اللّه عليه . يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين من المسلمين . وكثير من غير المسلمين ! . وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام ، كما نصرها باستشهاده . وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة ، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة ، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه ، فتبقى حافزا محركا للأبناء والأحفاد . وربما كانت حافزا محركا لخطى التاريخ كله مدى أجيال . ما النصر ؟ وما الهزيمة ؟ إننا في حاجة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور ومن القيم . قبل أن نسأل : أين وعد اللّه لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا ! .