كلمة في السياق :
صوّر اللّه لنا حال الكافرين في الدنيا حيث يسخرون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودعوته ، وينأون عن التذكير ، ويستسخرون من الآيات إذا رأوها ، ويستنكرون أن يكون هناك يوم آخر ، ثم صوّر لنا حالهم في الآخرة ، إذ ينقلب هذا كله ذلة واستسلاما ، ومن تأمّل مثل هذا الإبداع في التصوير والتعبير - تصوير العناد في الدنيا وانقلابه استسلاما في الآخرة - أدرك - بما لا يقبل الشك - أن مثل هذا التعبير جل عن طوق البشر ؛ إذ كيف يأتي التعبير بمثل هذه البلاغة والإحاطة في قضية ليست مطروقة إطلاقا في كلام العرب ! ألا إن الذين يكابرون في كون هذا القرآن من عند اللّه لجاهلون جهلا فظيعا .
. . .
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
أي : يتخاصمون ، والسياق يدل على أن هذا الخصام والتلاوم كان بين الأتباع والمتبوعين في عرصات القيامة
قالُوا
أي الأتباع للمتبوعين
إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ
أي : عن القوة والقهر ، قال النسفي : إذ اليمين موصوفة بالقوة ، وبها يقع البطش ، أي : إنكم كنتم تحملوننا على الضلال ، وتقسروننا عليه قال ابن عباس : يقولون : كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا ، لأنّا كنّا أذلاء ، وكنتم أعزاء
قالُوا
أي : القادة والرؤساء من الجن والإنس للأتباع
بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
أي : بل أبيتم أنتم الإيمان ، وأعرضتم عنه مع تمكّنكم منه ، مختارين له على الكفر ، غير ملجئين ، قال ابن كثير : ( أي : ما الأمر كما تزعمون ، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان ، قابلة للكفر والعصيان )
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
أي من تسلّط نسلبكم به تمكّنكم واختياركم ، قال ابن كثير :
أي : من حجّة على صحة ما دعوناكم إليه
بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ
أي بل كنتم قوما مختارين للطغيان قال ابن كثير : ( أي : بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق ، فلهذا استجبتم لنا ، وتركتم الحق الذي جاءكم به الأنبياء ، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به فخالفتموهم )
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا
أي فلزمنا جميعا وعيد اللّه
إِنَّا لَذائِقُونَ
أي بأنا لذائقون لعذابه لا محالة ؛ لعلمه بحاله ، قال ابن كثير : يقول الكبراء للمستضعفين : حقت علينا كلمة اللّه : إنّا من الأشقياء الذائقين للعذاب يوم القيامة
فَأَغْوَيْناكُمْ
أي : فدعوناكم إلى الضلالة والغي
إِنَّا كُنَّا غاوِينَ
أي :
فأردنا إغواءكم لتكونوا مثلنا ، أي : فدعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا قال اللّه تعالى