كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ :
( والعباد يرون القمر في منازله تلك . يولد هلالا . ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدرا . ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالا مقوسا كالعرجون القديم .
والعرجون : هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة .
والذي يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة يدرك ظل التعبير القرآني العجيب :
حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ .
. وبخاصة ظل ذلك اللفظ
الْقَدِيمِ
فالقمر في لياليه الأولى هلال . وفي لياليه الأخيرة هلال . . ولكنه في الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وفتوة . وفي الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم ، ويكسوه شحوب وذبول . ذبول العرجون القديم ! فليست مصادفة أن يعبر القرآن الكريم عنه هذا التعبير الموحي العجيب !
والحياة مع القمر ليلة بعد ليلة تثير في الحس مشاعر وخواطر ندية ثرية موحية عميقة . والقلب البشري الذي يعيش مع القمر دورة كاملة ، لا ينجو من تأثرات واستجابات ، ومن سبحات مع اليد المبدعة للجمال والجلال ؛ المدبرة للأجرام بذلك النظام . سواء كان يعلم سر هذه المنازل والأشكال القمرية المختلفة أو لا يعلم .
فالمشاهدة وحدها كفيلة بتحريك القلب ، واستجاشة الشعور ، وإثارة التدبر والتفكير ) .
4 - [ حول آية لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ . .
]
وقال صاحب الظلال في الآية الأخيرة من الفقرة :
( وأخيرا يقرر دقة النظام الكوني الذي يحكم هذه الأجرام الهائلة ، ويرتب الظواهر الناشئة عن نظامها الموحد الدقيق :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ .
ولكل نجم أو كوكب فلك ، أو مدار ، لا يتجاوزه في جريانه أو دورانه . والمسافات بين النجوم والكواكب مسافات هائلة . فالمسافة بين أرضنا هذه وبين الشمس تقدر نحو ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال . والقمر يبعد عن الأرض بنحو أربعين ومائتي ألف من الأميال . . . وهذه المسافات على بعدها ليست شيئا يذكر حين تقاس إلى بعد ما بين مجموعتنا الشمسية وأقرب نجم من نجوم السماء الأخرى إلينا .
وهو يقدر بنحو أربع سنوات ضوئية . وسرعة الضوء تقدر بستة وثمانين ومائة ألف من الأميال في الثانية الواحدة ! ( أي إن أقرب نجم إلينا يبعد عنا بنحو مائة وأربعة مليون