تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 3272

مساهمون:

ص٣٢٧٢
اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله ، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فصمّمت طائفة منهم - وهم جمهور اليهود عليهم لعائن اللّه - على أنه ولد زنية ، وقالوا : كلامه هذا سحر ، وقالت طائفة أخرى : إنما تكلم اللّه . وقال آخرون : بل هو ابن اللّه ، وقال آخرون : ثالث . وقال آخرون : بل هو عبد اللّه ورسوله . وهذا هو قول الحق الذي أرشد اللّه إليه المؤمنين . وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف . روى عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى :
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ
قال : اجتمع بنو إسرائيل ، فأخرجوا منهم أربعة نفر ، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع ، فقال بعضهم : هو اللّه هبط إلى الأرض ، فأحيا من أحيا ، وأمات من أمات ، ثم صعد إلى السماء ، وهم اليعقوبية . فقال الثلاثة : كذبت . ثم قال اثنان منهم للثالث : قل أنت فيه . قال هو ابن اللّه وهم النسطورية . فقال الاثنان : كذبت . ثم قال أحد الاثنين : قل فيه . فقال : هو ثالث ثلاثة . اللّه إله ، وهو إله ، وأمه إله ، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن اللّه . قال الرابع : كذبت بل هو عبد اللّه ورسوله ، وروحه وكلمته ، وهم المسلمون . فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا ، فاقتتلوا وظهر على المسلمين . فذلك قول اللّه تعالى :
وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
( آل عمران : 21 ) وقال قتادة : وهم الذين قالوا اللّه :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
قال : اختلفوا فيه فصاروا أحزابا . وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، وعن عروة بن الزبير وعن بعض أهل العلم قريبا من ذلك ، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم ، أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا ، فاختلفوا في عيسى بن مريم عليه السلام اختلافا متباينا ، فقالت كل شرذمة فيه قولا ، فمائة تقول فيه قولا ، وسبعون تقول فيه قولا آخر ، وخمسون تقول شيئا آخر ، ومائة وستون تقول شيئا ، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم ، اتفقوا على قول وصمّموا عليه ، فمال إليهم الملك ، وكان فيلسوفا ، فقدّمهم ونصرهم ، وطرد من عداهم ، فوضعوا له الأمانة الكبيرة ، بل هي الخيانة العظيمة ، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء ، وابتدعوا بدعا كثيرة ، وحرّفوا دين المسيح ، وغيّروه فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها : بلاد الشام ، والجزيرة ، والروم . فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسة ،