تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 3127

مساهمون:

ص٣١٢٧
فبعثوا إليه : أنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ، فجاءهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بداء ، وكان عليهم حريصا ، يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم ، فقالوا : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك ، وإنا واللّه ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدّين ، وسفّهت الأحلام ، وشتمت الآلهة ، وفرّقت الجماعة ، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا ، سوّدناك علينا ، وإن كنت تريد ملكا ، ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن : الرئي - فربما كان ذلك ، بذلنا أموالنا في طلب الطب ، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما بي ما تقولون . ما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردّوه عليّ ، أصبر لأمر اللّه ، حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » . أو كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك ، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا ، ولا أقل مالا ، ولا أشد عيشا منا ، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به ، فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخا صدوقا ، فنسألهم عما تقول ، حقّ هو أم باطل ؟ فإن صنعت ما سألناك ، وصدّقوك صدّقناك ، وعرفنا به منزلتك عند اللّه ، وأنه بعثك رسولا كما تقول ! فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما بهذا بعثت ! إنما جئتكم من عند اللّه بما بعثني به ، فقد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر اللّه ، حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك ، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ، ويغنيك بها عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق ، وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي