تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1219

مساهمون:

ص١٢١٩
يستقبح السوء أول مرة بشدة ، حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره ، خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه ، وسهل على النفوس أن تسمع - بل أن ترى - ولا تثور للتغيير على المنكر . ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم - وقد يكونون منه أبرياء - ولكن قالة السوء تنتشر ؛ وحين يصبح الجهر بها هينا مألوفا ، فإن البريء قد يتقول عليه مع المسىء ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام ، ويسقط الحياء النفسي والاجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح ، والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء . إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية - سبا وقذفا - وينتهي انحلالا اجتماعيا ، وفوضى أخلاقية ، تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفرادا وجماعات ، وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض ، وقد شاعت الاتهامات ، ولاكتها الألسنة بلا تحرج . لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء . وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم ، يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم ، في حدود ما وقع عليه منه من الظلم ! » . ثم يعود السياق إلى قضية الإيمان ليقرر كفر من كفر بالله ، وكفر من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض ، ويناقش طبقة من هؤلاء ، ويعريهم فلنر تتمة المقطع :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
دلت هذه الآية على أن الكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بالله ورسله جميعا . وقد كفر اليهود بعيسى ومحمد عليهما السلام ، وكفر النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم . وهناك من يكفر بكل رسول لله أصلا . ومنهم من لا يؤمن حتى بوجود الله ، ولكن السياق هنا منصب على من يكفر ببعض رسل الله .
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا .
أي : طريقا ومسلكا وسطا بين الإيمان والكفر ، ولا واسطة بينهما . وفي هذا رد على كل من يعز عليه أن يسمى كافرا وفي الوقت نفسه لا يعطي قضية الإيمان كل لوازمها .
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا .
أي : أولئك هم الكاملون في الكفر ، وكفرهم حق ثابت لا شك فيه .
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً .
أي : وهيأنا للكافرين عذابا مذلا في الآخرة .
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
وليس هذا - بعد البعثة المحمدية - لأحد إلا لمن تابع محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأمته تؤمن بكل نبي ، وتؤمن بكل كتاب .
أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ .
أي : الثواب الموعود لهم .
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
أي : غفورا لذنوبهم إن كان لهم ذنوب ، رحيما بهم في