تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1140

مساهمون:

ص١١٤٠
ومجىء هذه الآية في وسط المقطع الذي موضوعه القتال يذكرنا بالغاية من القتال ويحضنا ويهيجنا عليه .
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ .
أي : فما لكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا ظاهرا ، وتفرقتم فيهم فرقتين ، وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم . هذا قول النسفي . وروى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد ، فرجع ناس ، خرجوا معه . فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين . فرقة تقول : نقتلهم . وفرقة تقول : لا ، فأنزل الله :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنها طيبة ، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة » . وأخرجاه في الصحيحين . فالحكم فيهم القتل والمرجع في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن شاء قتل ، وإلا ترك إذا وجد مصلحة ؛ معاملة لهم بظواهرهم . وإذ كان كذلك فما كان ينبغي ، ولا ينبغي أن يفترق المسلمون في الموقف . ومن هذا النص ، نفهم أن مواقف المسلمين ينبغي أن تكون واحدة . وكيف لا تكون ، والكتاب والسنة موجودان ، والشورى مقررة ، والقيادة على ضوء ذلك كله تتخذ القرار الملزم .
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا
أركس هنا بمعنى : أوقع ، ورد ، وأهلك ، وأضل . أي : والله ردهم إلى حكم الكفار بسبب كسبهم السيئ الظاهري والباطني . فعاقبهم الله على ذلك ، بردهم إلى الكفر . ومن ثم كان حكمهم جواز القتل .
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ .
أي : أتريدون أن تجعلوا من جملة المهتدين من جعله الله ضالا ، فأركسه ، وحكم بكفره ، وأجاز قتله . وذلك باللين معهم ومسايرتهم . أو المعنى : أتريدون أن تسموهم مهتدين ، وقد أظهر الله ضلالهم . فيكون النص إنكارا على وصف المنافقين بالمهتدين والمؤمنين بعد إذ تبين أمرهم . وعلى المعنى الأول : فالنص إنكار على من يريد أن يلين مع المنافقين بعد إذ تبين له نفاقهم الكامل .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا .
أي : ومن شاء الله إضلاله ، بسبب عمله ، فلا طريق له إلى الهدى ، ولا مخلص له إليه ، ويمكن أن يفهم النص فهما آخر . وهو : أن من شاء الله إضلاله ، فلن تجد له طريقا ما . بل هو خابط في كل طريق ، وعلى غير هدى ، فليس له سبيل واضح . ويكون هذا علامة على المنافق ، فمن علاماته ، تقلبه ، وتناقضه . فهو اليوم على غير ما هو عليه بالأمس ، وما يقوله الآن غير ما يقوله وما سيقوله .
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا .
أي : ود هؤلاء المنافقون ، لو تكفرون ، كفرا مثل كفرهم . فهم يودون الضلالة للمسلمين ، ليستووا هم ، وإياهم فيها . دل هذا على ما ذكرناه سابقا ، أن الفئة