تخطي إلى المحتوى الرئيسي

امثال القرآن — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
والآية تقسِّم الصحابة إلى القسمين التاليين : الأول : الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات فلهم أجر عظيم . الثاني : الذين لم يؤمنوا حقيقة وما عملوا الصالحات فهم محرومون من الأجر الإلهي العظيم . إذن ، تنزيه جميع الصحابة - كما فعل ذلك بعض أهل السنة - لا ينسجم مع القرآن الكريم « 1 » ؛ لأن هناك آيات كثيرة خصوصاً في سورة التوبة وردت في ذم بعض الصحابة ، مع أنَّا لو نزّهنا جميع الصحابة واعتبرناهم جيّدين ، فلما ذا تنازعوا فيما بعد ؟ ألا يعدُّ ذلك تناقضاً ؟ في أحد أسفاري إلى مكة كان لي نقاش في المسجد الحرام بعد صلاة المغرب مع بعض الاخوة من أهل السنة ، جرّنا الحديث إلى قضية الصحابة ، فكانوا يقولون : إنَّهم منزَّهون جميعاً ، فسألتهم : لو كنتم في حرب صفين فتنضمُّون إلى عسكر الإمام علي عليه السلام أم معاوية ؟ فقالوا : إلى عسكر علي عليه السلام ، لكنَّا لا نسيء إلى معاوية . فسألتهم : لو أعطاكم الإمام علي سيوفاً وأمركم بقتل معاوية فما تفعلون ؟ قالوا : ننفّذ أمر علي ونقتل معاوية ، لكنَّا لا نقول في معاوية إلَّا قولًا حسناً ؟ ! وهذا يشبه النصب والهزل أكثر من الحقيقة . يبرّر البعض هذا المنهج من التفكير بأن كلًا من علي ومعاوية عمل وفق اجتهاده واستنباطاته الشخصية ، ولذلك لا يعدان مقصرين ، وكذا الحال بالنسبة إلى طلحة والزبير وعائشة ، فما خروجهم عن خلافة الإمام علي عليه السلام إلَّا وفق اجتهاداتهم ، ولهذا لا يعدون مذنبين أو مقصرين عند اللَّه ؛ لأن كلًا منهم عمل وفق ما تفرضه عليه وظيفته الشرعية . بطلان هذا التبرير واضح جداً ، فإذا قبلنا هذا الكلام فلا يبقى مذنب على وجه الأرض ، لأن هابيل وقابيل عملا وفقاً لما تمليه عليهما اجتهاداتهما واستنباطاتهما ، ولا يمكن مؤاخذة أيٍّ منهما وفقاً لهذا المنهج ، كما أنَّ كلًا من موسى وفرعون ، وإبراهيم ونمرود ، وعيسى وعبدة الأصنام ، وشعيب وقومه و . . . عمل وفق اجتهاده واستنباطه ، ولا يُعدُّ واحد منهم مقصّراً أو مذنباً ! ! !
هامش
( 1 ) للمزيد راجع نظرية عدالة الصحابة ، للأستاذ أحمد حسين يعقوب .
امثال القرآن — صفحة 440 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي