هذا من جانب ، ومن جانب فإنَّه في حيرة من حيث مؤونته الشخصية واليومية ؛ لأن كلًا من الأرباب يلقي مسؤولية تأمين احتياجاته على الآخر . وبذلك تختل حياته ويظل في حيرة من أمره .
مثل المشركين كمثل هذا العبد ؛ لأنهم جعلوا حياتهم رهن هذه الأصنام فأصبحوا جاهلين بأهدافهم ، وفي حيرة من أمرهم ولا يعلمون بأيٍّ يتعلّقون ، فتتعلق قلوبهم بشيءٍ يوماً ما وفي يوم آخر تتعلق قلوبهم بشيء آخر .
شأنهم شأن غير الموفقين والفاشلين الذين يبرمون عقدة الصداقة مع أحدٍ في يوم ويفتحونها في يوم آخر ليبرموها مع آخر ، ويستمرون بنهجهم هذا . أو من قبيل أولئك الذين يميلون مع الريح اين ما مالت وينضمّون إلى راية في يوم ويلجئون إلى اخرَى في يوم آخر ، فاليوم تهوى قلوبهم إلى الجاه والمقام ، وغداً إلى الثروة وبعد غد إلى الشهرة ، ولا ينتبهون إلى ما هم عليه إلَّا وقد انتهت أيام عمرهم .
« رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ » .
أمَّا مثل الموحد فمثل العبد الذي له أرباب واحد ، أمره واضح ، وهو غير متحيّر ، ومطيع لسيده ومسلّم أمره إليه ، ولا مشكلة له من حيث تأمين احتياجاته .
نعم ، قلوب الموحّدين تعلّقت بمعبود واحد ، فهو ملجأهم وناصرهم ومعينهم ومرادهم وملبيّ حاجاتهم ، ولا يرجون أحداً غيره ، ولا إبهام في وظائفهم وما ينبغي عليهم فعله ، فلا يعيشون حيرة ابداً .
أيها الناس ، كونوا في ظل معبود كهذا ، ونالوا من نوره الرباني ، وأنيروا طريقكم به ، فإن العزّة له والقدرة لديه والذلة بيده ، ولو أرادت الدنيا بأكملها شيئاً وهو أراد شيئاً آخر فلا تتحقق إلَّا إرادته .
كان فرعون قد قرَّر قتل موسى وهو في بطن امِّه ، ووظّف لأجل ذلك جميع امكانياته ، فبقر بطون الكثير من الحوامل ، وقتل الكثير من الأطفال ، وارتكب جرائم كثيرة ، لكنه ما توفّق لتحقيق رغبته وإرادته ؛ لأن اللَّه كان قد أراد شيئاً آخر ، فتربَّى موسى عليه السلام في حضن فرعون نفسه ، إذن علينا التعلق بربٍّ كهذا .
« الحَمْدُ للَّهِ » .
امثال القرآن — صفحة 418
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤١٨