تخطي إلى المحتوى الرئيسي

امثال القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وذكاء كذكاء وفهم أبو علي ابن سيناء ، وحتى لو استطاع أن يتواصل مع أمه لتحكي له عن القمر والشمس والليل والنهار والنجوم والأشجار والأزهار والنباتات ، وقد استطاعت أن تبيّن له هذه الأمور بأفصح بيان وأبلغه ، رغم ذلك فهو سوف لا يفهم شيئاً . إنَّ مثلنا نحن بالنسبة إلى البرزخ كمثل هذا الطفل بالنسبة إلى الحياة الدنيا ، نحن سمعنا بوجود عالم باسم البرزخ قطعاً ، لكن ما هي الف باء تلك الحياة ؟ ما معنى أنّ الشهداء هناك أحياء ؟ كيف أنهم يرزقون في ذلك العالم ؟ كيف يعذّب الله الروح أو ينعم عليها ؟ نحن لا ندرك أياً من هذه الأمور . إنّ بعض أولياء الله استطاع أن يتصل بعالم البرزخ فسأل أهل البرزخ عن ذلك العالم فأجابوه لا يمكننا وصف هذا العالم بالألفاظ والمفاهيم التي تدركونها أنتم في الحياة الدنيا . إنّ مثل مفاهيم البرزخ وألفاظ الدنيا كمثل المصفاة والماء ، وهل يتوقف الماء في المصفاة ؟ ! إنَّ موقف البرزخيين تجاه مفاهيم القيامة كموقفنا تجاه البرزخ لا يمكنهم استيعاب نعم الجنة ، كما لا يمكنهم استيعاب أنواع العذاب في جهنّم . وعلى هذا الأساس ، تقول الآية الشريفة 17 من سورة السجدة : « فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُم مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » . إذا أخذنا مفردة ( نفس ) باطلاقها كانت شاملة للأنبياء والأئمة - صلوات الله عليهم أجمعين - وذلك يعني هؤلاء أيضاً لا يعلمون ما أُعدَّ للمؤمنين من نعم في الجنة . جاء في حديث قدسي ما يلي : « أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشرٍ » . « 1 » أي أنَّها نعم لم ترَ في المنام ولا في اليقظة ولا في عالم الخيال ولا التصور ، وذلك لأنّ عالم القيامة لا يمكن استيعابه . وعلى هذا ، فمن جهةٍ أنَّ مفاهيم عالم القيامة مفاهيم لا يمكن استيعابها وإدراكها ، ومن جهة أخرى ينبغي بيان نعم الجنة وعذاب الآخرة بشكل يسوق البشر نحو الأعمال الحسنة ويبعدهم عن الأعمال السيئة .
هامش
( 1 ) ميزان الحكمة ، الباب 546 ، الحديث 2529 .
امثال القرآن — صفحة 234 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي