تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
ولا يملك الانسان ان يستمد آدابه وأخلاقه من معين ، ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر . ويستمد أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية من معين ثالث . ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع . فهذا الخليط لا يكون انسانا له قلب ولا يتسلط على قلب الا مزقه تمزقا وقطعه تقطيعا . واطفأ نوره نهائيا وأعماه أخيرا كما قال خالقه العظيم .
( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ . وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ )
. وصاحب العقيدة لا يمكنه أن تكون له عقيدة حقا . ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد . من مواقف حياتية كلها . صغيرا كان هذا الموقف أم كبيرا . لا يمكنه أن يقول كلمة . أو يتحرك حركة . أو ينوي نية . أو يتصور تصورا . غير محكوم في هذا كله بعقيدته - عند الاختيار والحرية له - ان كانت هذه العقيدة واقعة في كيانه - لان اللّه تعالى لم يجعل له سوى قلب واحد . يخضع لناموس واحد . ويستمد من تصور واحد . ويزن بميزان واحد . لا يملك صاحب العقيدة أن يقول رجال الشركات أو رجال السياسة . أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام انه شخص واحد له قلب واحد تعمره عقيدة واحدة . وله تصور واحد للحياة . وميزان واحد للقيم . وتصوره المستمد من عقيدته . متلبس بكل ما يصدر عنه في كل حالة . لا يمكنه أن يقول : فعلت كذا بصفتي الشخصية . وفعلت كذا بصفتي الاسلامية . وبهذا القلب الواحد يعيش الانسان فردا . ويعيش في الأسرة ، ويعيش في الجماعة . ويعيش في الدولة . ويعيش في العالم . ويعيش في سره وعلانيته . وحاكما ومحكوما . فلا تتبدل موازينه . ولا تتبدل