تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
هؤلاء الذين عند ربك . هم أرفع وأعلى . وهم أتقى وأمثل . فلا يستكبرون كما يستكبر أولئك المنحرفون الضالون في الأرض . الذين اتبعوا أهوائهم وأضلهم الشيطان فأعمى أبصارهم .
( وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً . . . )
فخشوع الأرض هنا هو سكونها قبل نزول الماء عليها . وكأنها حين نزول الماء عليها تتحرك لتخرج ما فيها - كما تتحرك الحامل لتخرج ما في بطنها - وهنا يتبين وجه التناسق في هامدة - وخاشعة - ان الجو في الأول جو بعث واحياء واخراج . فمما يتسق معه تصوير الأرض ( بالهامدة ) ثم تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج . وان الجو في الثاني ، هو عبادة وخشوع وسجود ويتسق معه تصوير الأرض ( بالخشوع ) فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت . انهما تخيلان حركة للأرض بعد خشوعها . وهذه الحركة هي المقصودة هنا . لان كل ما في المشهد يتحرك حركة طاعة وعبادة واذعان لخالقه . فلم يكن من المناسب ان تبقى الأرض وحدها خاشعة ساكنة . فوجب أن تهتز للمشاركة قلوب العابدين المتقين . لكي لا يبقى جزء من أجزاء المشهد ساكنا . فكل الاجزاء تتحرك من حوله .
( إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى . إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
ويتكرر في القرآن عرض مثل هذا المشهد نموذجا للاحياء في الآخرة . ودليلا على قدرة الخالق العظيم الغير محددة بحدود . ومشهد أحياء الأرض في كل سنة بدون تخلف قريب من كل قلب مفتوح . لأنه يلمس القلوب قبل أن يلمس العقول . والحياة المحسوسة توحي بالقدرة المطلقة لخالق الوجود . وهذا ايحاء خفي ينبض في أعماق الشعور . والقرآن يخاطب الفطرة بلغتها واحساسها .