تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
تبدأ بها بعض السور . والتي اخترنا في تفسيرها انها نماذج من الحروف الهجائية التي يتألف منها هذا القرآن فيجيء نسقا جديدا لا يستطيعه جميع المخلوقات من انس وجن . مع أنهم يملكون هذه الحروف ويعرفون هذه الكلمات . ولكنهم أعجز وأقصر من أن يقدروا على أن يصوغوا منها مثل ما تصوغه القدرة المبدعة لهذا القرآن . وما ذلك الا لأنها صاغة آلهية ركبته ليكون معجزة خارقة لكل مخلوق حرّ الضمير غير مأسور لهواه وشهواته وغرائزه .
( إِذْ نادى رَبَّهُ )
: انه يناجي ربه بعيدا عن عيون الناس . بعيدا عن أسماعهم في عزلة يخلص فيها لربه . ويكشف له عما يثقل كاهله ويكرب صدره ويناديه في قرب واتصال ( رب ) بلا واسطة . حتى ولا حرف نداء . وان ربه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء . ولكن المكروب يستريح إلى البثّ . ويحتاج إلى الشكوى . واللّه الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر فيستحب لهم ان يدعوه . وان يبثوه ما تضيق به صدورهم .
( وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )
ليريحوا أعصابهم من العبء المرهق . وليعلموا الجاهلين بالمصدر لجلب كل محبوب . ودفع كل مكروه وممعوض هو الرجوع إلى الخالق العظيم . الذي أقرب لعبده من كل قريب . وأقدر على قضاء حوائجه من كل قدير . وبذلك تطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقدر وأقوى على اجابتهم واعطاء سؤالهم لأنه بيده أزمة الأمور . واليه يرجع الامر كله . وليلجوا بالركن الذي لا يضام من التجأ اليه ولا يخيب من قصده وتوكل عليه بحق . وزكريا يشكو إلى ربه
( وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي )
وحين يهن العظم يكون الجسم كله قد وهن لأنه قوام البدن . ويشكو البدن اشتعال رأسه