تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
ها هي ذي تخلو إلى نفسها لشأن من شؤونها التي تقتضي التواري عن الناس والاحتجاب عن الانظار وها هي في خلوتها مطمئنة إلى انفرادها وإذا هي تفاجأ برجل مكتمل سوي :
( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا )
وها هي تنتفض انتفاضة العذراء المذعورة فتلجأ إلى اللّه تستعيذ به وتستنجده لاغاثتها .
( قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا )
. وهنا يزداد الهلع والفزع . فقد تكون حيلة يستغل طيبتها . ثم تدركها شجاعة الأنثى المهددة
( قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ )
هكذا في صراحة كيف يهب لها غلاما فالحياء هنا لا يجدي
( قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ )
فهذا الامر الخارق للعادة لا تتصور مريم وقوعه . بذلك انتهى الحوار بين الروح الأمين جبرائيل ( ع ) ومريم العذراء ،
( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا )
. ان السياق لا يذكر كيف حملته . هل كان حملا عاديا كما تحمل النساء . وتكون النفخة قد بعثت الحياة والنشاط في البويضة . فإذا هي علقة فمضغة فعظام ويستكمل الجنين مراحله كلها . ولنشهد مريم تنتبذ مكانا قصيّا عن أهلها . في موقف أشد هولا من موقفها الذي أسلفنا عنه فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة فهي هنا تواجه المخاض الذي ( أجاءها ) . فإذا هي تقول :
( يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا )
وهي تتمنى لو كانت ( نسيا ) تلك الخرقة التي تتخذ لدم الحيض .
( فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي )
يا لله طفل ولد اللحظة ينادي أمه ويطمئن قلبها المضطرب ويرشدها إلى طعامها وشرابها ويدلها على