تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
البيان : لقد كان لوط يعرف قومه ، ويعرف ما أصاب فطرتهم من انحراف وشذوذ عجيبين . إذ يتركون النساء ويرغبون في الرجال ، مخالفين الفطرة التي تهدي إلى الحكمة البالغة ، التي تمد الحياة بالنسل والتي تجد اللذة الحقيقية في تلبية نداء الحكمة الإلهية الأزلية ، ولم تختص هذه الحكمة في الانسان فقط بل تشمل جميع الحيوانات والحشرات . ورأى لوط ما يشبه الحمى في أجساد قومه المندفعين إلى داره يهددونه في ضيفه وكرامته فحاول أن يوقظ فيهم الفطرة السليمة ، ويوجههم إلى الجنس اللطيف الذي خلقه لهذه الغاية
( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي )
: فالقضية مقصودة فلا ينفع مع المنحرف تنبيه إذا كان انحرافهم عن علم ودراية . ثم قال لوط :
( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً )
: وغاب عن لوط انه يأوي إلى ركن شديد . وهو ركن اللّه عزّ وجل لا يغلبه غالب :
( إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ )
( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ )
. فلما جاء موعد تنفيذ الامر
( جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها )
وهي صورة للتدمير الكامل الذي يقلب كل شيء ويغير المعالم ويمحوها ، وهذا القلب وجعل عاليها سافلها ، أشبه شيء بتلك الفطرة المقلوبة الهابطة ، المرتكسة من قمة الانسان إلى درك الحيوان :
( وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ )
فهي قريبة من كل جبار عنيد فمتى أراد الخالق العظيم تدميره فلا يحتاج الا إلى قوله :
( كُنْ فَيَكُونُ *
وَقُضِيَ الْأَمْرُ )