تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
جبلتها ( ثم وليتم بعد ذلك ) ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة ، والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به والضعف عن احتمال تكاليفه ، والضعف أمام الهوى أو النفع القريب . فيقول عزّ وجل :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 65 إلى 66 ]

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) لقد فصل القرآن حكاية اعتداء اليهود في السبت في موضع آخر يأتي إن شاء الله تعالى . ولقد طلبوا من نبيهم ( ع ) أن يكون لهم يوم راحة مقدس ، فجعل الله لهم يوم السبت ، راحة مقدسا لا يعملون فيه للمعاش ، ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان فصارت تكثر يوم السبت وتختفي في غيره ، وكان ابتلاء لم تصمد له اليهود ، وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع أتتركه وفاء بعهد الله ، واستمساكا بميثاقه ، ان هذا ليس من طبع اليهود . ومن ثم اعتدوا في السبت ، اعتدوا على طريقة ملتوية ، راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت ، ويقطعونها عن البحر بحاجز ، ولا يصيدونها حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وأخذوها فاستحقوا العقاب ونزول العذاب فقال لهم :
( كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ )
. لقد حق عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع الله ، والنكوس عن مقام الانسان ذي الإرادة ، فانتكسوا بهذا إلى عالم القردة والخنازير . انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الانسان انسانا خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهده الله عزّ وجل . وليس من الضرورة ان يستحيلوا قردة بأجسامهم فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم ، وانطباعات الشعور والتفكير ، ومضت هذه
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 75 | محمد حسن القبيسي العاملي