تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
أقول : ظاهر الحديث أنّ اللّه سبحانه حيث لا يحاط به علما فلا يوصف بشيء يدركه العقل من أوصافه إلّا بما وصف به نفسه ، وهذه هي المسألة المعروفة أنّ أسماء اللّه تعالى توقيفيّة ويمكن تفسيرها ب : أحد وجهين : أحدهما : إنّ عامة العقول حيث إنّها قاصرة عن نيل المعارف الإلهيّة الحقّة - على ما هي عليها تفصيلا - إلّا النادر من العقول السليمة عن غواشي الأوهام المتدرّبة بالمعارف الحقيقيّة لم يؤمن من توصيفه تعالى بها بما لا يليق بساحة قدسه وكبرياء ذاته ، فكان القول فيه بما تدركه هذه العقول قولا بغير علم الممنوع عقلا وشرعا كما قال سبحانه :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« 1 » ، ولهذا ورد التوقيف الشرعي . إلّا أنّ التوصيف الكلامي لا يخلو نوعا عن قرائن تصحّح المعنى وتجرّده عمّا لا يليق بجلاله تعالى ، بخلاف التسمية فإنّها مطلقة لا قرينة معها ، ففرق بين أن نسمّيه تعالى : ( مضّلا ) كما يسمّى : ( بالرحمان ) ، وبين أن يقال : يهدي به من يشاء ويضل من يشاء
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
« 2 » . وكذا فرق بين أن يسمّى بالرامي وأن يقال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 3 » وأن يسمّى مهلكا وأن يقال :
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
« 4 » ، وهكذا . ولهذا حكم الشرع حكما كليّا بتوقيفيّة الأسماء دون التوصيفات على قرائن التنزيه .
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 74 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 26 . ( 3 ) . الأنفال ( 8 ) : 17 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 6 .