تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
غير دخالة المقام لكان حق الكلام أن يقال :
فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ
، وعلى هذا لم يكن بينه وبين الملائكة فرق قبل ذلك ، وعند ذلك تميّز الفريقان وبقي الملائكة على ما يقتضيه مقامهم والمنزلة التي حلّوا فيها ، وهو مقام الخضوع والامتثال ، وقد حكى اللّه سبحانه ذلك بقوله :
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ . لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
« 1 » ، فهذا حقيقة حياة الملائكة وأعمالهم ، فبقيت الملائكة على ذلك ، وخرج إبليس عنه كما تعبّر عنه الآية في سورة الكهف :
كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
« 2 » ، والفسق : خروج الثمرة عن قشرها فتميّز عنهم ، فأخذ حياة وعملا لا حقيقة له إلّا الأنانية والمعصية ، والقصّة وإن سيقت بحسب التمثيل مساق القصص المألوفة بيننا وتضمّنت أمرا وامتثالا وتمرّدا واحتجاجا وطردا وغيرها من الأمور التشريعيّة والمولوية ، غير أن الآيات تشعر بأنّها تكوينية ، بمعنى أنّ إبليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الامتثال فتفرّع عليه المعصية ، ويشعر به قوله :
قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها
، فظاهره أنّ هذا المقام لا يقبل التكبّر ، فكان تكبّره فيها خروجه وهبوطه منها فالأمر تكويني ويشعر بذلك أيضا أنّه سبحانه لم يجب عمّا ادّعاه إبليس ولم يبطل ، بل طرده بقوله :
فَاهْبِطْ
. وعلى هذا فلو لا أن خلق اللّه آدم وأمرهم بالسجود كان إبليس على ما كان عليه سائر الملائكة الطاهرين من القرب والمنزلة ، غير أنّ خلقة آدم وما تبعها شقّ الطريق طريقين وهيّأ وعيّن سبيلي السعادة والشقاوة .
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 26 - 27 . ( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 50 .