تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
الأعرابي ذلك النداء إلى الإيمان باللّه الخالق ، والموجد ، الرازق ، قال : إن البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، أفلا يدل ذلك الكون بأرضه وسمائه على الخالق القدير ؟ ونفس الموقف تعرض له رجل آخر ، وإن كانت له سابقة من أدناس النفس حجبت عنه الضوء فترة من الزمن ، وقعدت به عن سرعة الاستجابة إلى اللّه ، بل كانت له مواقف محاربة ضد الدعوة الإسلامية ، فقد كان عكرمة بن أبي جهل من أولئك الذين لهم سهم معلوم في موقف الكفار المعاندين للدعوة في مكة . أحاط الهول والخطر بعكرمة ، وهو هارب إلى الحبشة على ظهر سفينة ، ورأى الناس يدعون اللّه أن ينقذهم من ذلك الخطر الداهم ، فقال لهم : ألا تدعون آلهتكم ؟ فقالوا : إنها لا تقدر على ذلك ، فكانت هذه الإجابة سببا في رجوعه إلى صوابه ، وأدراك حقيقة ما هو عليه من باطل ، وحاجته إلى ذلك النور الجديد ، كي ينقذ نفسه وحياته ، فعاد إلى مكة ، وآمن باللّه ورسوله ، وكان من جند اللّه المخلصين . فطرة صافية وصلت إلى تحقيق إيمان كامل ثابت في نفس صاحبها ، وعقيدة عجزت عقول الكثيرين عن الوصول إلى نتائجها مع ما اتصفوا به من كمال عقل ، وفصاحة لسان ، وقوة منطق ، وبلاغة أسلوب ، ومع ما لديهم من سابق معرفة بأخبار الأمم وأحداثها ، وما يصل إلى مسامعهم من بشارات الكتب السماوية الأخرى التي تنبئ بعهد جديد في الاعتقاد والالتزام ، وطهارة المسلك والطريق . ما كان من أولئك الذين أرسل إليهم رسول اللّه إلا الانحراف في الفكر ، وإلا الضلال في العقيدة ، سار في ذلك الكثيرون وأعانهم على ذلك شياطين الإنس من أرباب الكهانة ، والسيطرة الدينية ، ممن يعيشون في كهوفها ، ويريدون أن يكون الجميع على منوالهم ، يسيرون في طريق الفساد ، وأعوانا للشياطين في الأرض ، فكانت الآلهة أصناما ، وأشجارا ، وملائكة ، وأشخاصا . . . إلخ ، مما باعد بينهم وبين الحقيقة الباهرة التي يجب أن يعيشوا في نورها ، ويرتقوا بأنفسهم وفكرهم إلى مستواها ، ألا وهي حقيقة التوحيد .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ النحل : 73 ، 74 ] .