تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
وكل هذا عن طريق الترغيب في مجالات الخير بكل أنواعه ؛ ليفوز المؤمن بثواب اللّه ،
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
[ آل عمران : 133 ، 134 ] . وإذا كان للترغيب صولته ومكانته في الدعوة إلى الخير ، والصالح من العمل ، ففي المقابل كذلك يظهر جانب التحذير لعلاج تلك النفوس الخبيثة التي جبلت على الشر ، والبخل بالمال ، أو انحرفت عن جادة الصواب ، وسلكت طريق الضلال ، فارتكبت المعاصي ، واجترحت السيئات ، وابتعدت عن عمل الخير ، وكانت عونا للشيطان ، فخضعت لمغريات الحياة وشهواتها ، وسقطت في حمأة الرذيلة ، وساءت نية وخلقا ، وخرجت بذلك عن دائرة التكريم الذي منحه اللّه لها ، بأن جعلها خير مخلوقاته ، والجديرة بتحمل أماناته في الحياة الدنيوية التي يحياها الإنسان . ثم يكون بعد ذلك التسلسل الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى القيادة المختارة من قبل اللّه ، والمصطفى من عباده ؛ لحمل هذه الأمانة والرسالة ، فيأتي الرد على أولئك الذين يعترضون على رحمت اللّه ، وينكرون أن يكون الرسول بشرا ،
أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
[ الزخرف : 32 ] . بل ويقترحون على محمد صلى اللّه عليه وسلم الاقتراحات التي لو استجيبت ، لكان في ذلك هلاك أولئك القوم وتدميرهم تدميرا ، ولكن رحمة الرسول التي جبل عليها كانت سبيلا إلى إبعاد الهلاك عنهم ، فلعل ذرية تخرج من أصلابهم تسبح اللّه وتحمده . وهكذا كان الرسول كما عبر القرآن الكريم :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
[ آل عمران : 159 ] . وبعد دور القيادة يأتي دور الشخصية المسلمة السوية ، وكيف تكونت ، واقتدت بالرسول الإنسان الكريم ، في خلقه ، وعمله ، واتباعه لسنته ، حتى ظهرت تلك النخبة الصالحة التي فتحت الآفاق ، وأشعت هذا النور في كل الأرجاء . ما سر ذلك ؟ وما المنهج الذي ربوا عليه ؟ ذلك هو الدور الأخير الذي يحتاج إلى تبيان ، كي نرى منهج القرآن الكريم في علاج هذه النفوس التي تتوق إلى علاج في وقتنا الحاضر .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 185 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي