تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
لقد تعرضت هذه النفوس لمناهج عديدة أخذت ترسم لها طريق الحياة بنزعات أصحابها ومفكريها ، واصطدمت بنظريات عديدة ما لبثت أن تهاوت ، فلم تفلح في علاج نفس ، ولم تقض على أزمات الحياة بألوانها وأشكالها ، وكانت النتائج لذلك وخيمة في أمراض نفسية عديدة ، وأزمات أخلاقية شملت الأفراد والجماعات . ولذا فإن الاتجاه إلى تلك المناهج الربانية من ينابيعها الأساسية هو ولا شك خير طريق إلى الفلاح ، على أن نحسن الفهم ، ونعدل في التطبيق ، ونساير الحياة بمتطلباتها العديدة .

1 - الدعوة إلى الإيمان باللّه ووحدانيته :

وهي دعوة قام عليها الدين ، وبنى عليها أوامره ونواهيه ، وجعلها أساس العقيدة الصحيحة التي يعتقدها المؤمن بربه ، والتوحيد معرفة اللّه تعالى بالربوبية ، والإقرار بالوحدانية ، ونفى الأنداد عنه جملة « 1 » . وقد شغلت قضية البحث عن اللّه العقل الإنسانى من قديم الزمن ، فمنهم من آمن بأن اللّه موجود ، نظر إلى كل ما خلق اللّه حوله ، واستمد منه يقينه ومعتقده في تلك المظاهر التي تدل على الخالق والمبدع من أرض وسماء ، وإنسان وحيوان ، ونبات وجماد . . . إلخ ، ورأى في كل ذلك نظاما مرسوما ، وقدرة فائقة تدل على مبدعها ومنشئها ، فلا يعقل أن تكون قد خلقت بدون خالق ، وآخرون أخذوا أنفسهم بالبحث عن دليل يؤيد فكرتهم ودعواهم الباطلة التي لا تؤمن إلا بالماديات ، وبما يقع تحت الحواس ، وهم لذلك ينكرون المغيبات من وجود اللّه ، والملائكة ، والبعث ، والحساب ، واليوم الآخر ، وما فيه ، ويجعلون حواسهم هي الطريق إلى الإيمان بمقاييس يضعونها لأنفسهم مع علمهم بقصورها ، فهناك أشياء موجودة ويعرفونها ، ولا تستطيع حواسهم أن تعرف عنها شيئا ، مثل الروح ، يجهلون حقيقتها ، ولا يعرفون عنها شيئا ، علما بأنها ثابتة وموجودة ، ويحكمون بعد ذلك الحكم الفاسد أن الطبيعة هي التي خلقت هذا العالم وما فيه ، وهذا الكون وما يسير عليه من نظام بديع لا يتغير ولا يتبدل ، نسي أولئك القوم تلك الحقيقة البدهية أنهم إذا أرجعوا ذلك كله إلى الطبيعة ، فمن أوجد الطبيعة ؟ أأوجدت نفسها ؟
هامش
( 1 ) انظر : كتاب التعريفات لعلي بن محمد الشريف الجرجاني ( ص 73 ) .
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 186 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي