تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ويتضح لنا من سبب النزول الوارد في بعض التفاسير للآيات التي تأتي بعدها - وهو أنّ جماعة من المنافقين لما شعروا بضعف موقفهم جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وأقسموا على تسليمهم لأوامر النّبي صلى الله عليه وآله - ومن الواضح أنّ الآية أعلاه تتحدث عن المجموعة المقابلة لهذه المجموعة ، أي المؤمنين ، وتقول : إنّ التسليم المطلق لابدّ أن يكون أمام قوانين اللَّه تعالى ، ولا عبرة بأي قانون غيره ، وإنْ كان المراد بالآية مسألة القضاء والفصل بين المنازعات فكذلك أنّها تدلل على ما قصدناه ، لإنّه وكما سبق وأن قلنا : إنّ مسألة التحكيم تقوم على أساس القانون أيضاً ، وبناءً على ذلك فإنّ التسليم لقضاء اللَّه تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله يعني التسليم ، التسليم أمام القانون الإلهي ، ولهذا نجد أنّ القضاة دائماً عندما يصدرون أحكامهم ، يستندون في ذلك إلى مادة واحدة أو أكثر من المواد القانونية ، يعني التسليم ، فعلى المؤمنين الاستناد إلى مواد القانون الإلهي فقط . وقد وردت الآية التاسعة بعد أوامر إلهيّة عشرة جاءت قبلها ( بخصوص الشرك ، والإحسان إلى الوالدين ، والكف عن قتل الأولاد - وبشكل عام - إهراق الدماء البريئة ، والأعمال القبيحة الأخرى ) إذ يقول تعالى في نهاية هذه الطائفة من الأحكام : « وَأَنَّ هَذَا صِراطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَاتَتَبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . ومن هذا التعبير يتضح لنا جيداً أنّ « الصراط المستقيم » يعنيحكم اللَّه تعالى وقانونه وأوامره ، وكل ما هو دونه يعدّ من الطرق المعوجّة والمنحرفة والتي تبعد الناس عن صراط اللَّه المستقيم ، ويستفاد من هذا التعبير أيضاً ، أن اتباع الطرق الأخرى تؤدي إلى بث التفرقة والتشتت والاختلاف ، والدليل على ذلك واضح أيضاً ، لأنّ رأي النّاس وحتى العلماء الكبار في تشخيص منافع ومفاسد الأعمال يختلف اختلافاً كبيراً عن بعضهم البعض ، ومتى ما أحيلت مسألة تشريع القوانين إلى النّاس ، فإنّ الاختلاف والتشتت سوف يحكمان