« وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ » .
إن المقارنة بين « الحكم بما أنزل اللَّه » و « اتباع الهوى » يبين لنا أن الذييعرض بوجهه عن حكم اللَّه تعالى ، سيسقط في وادي الهوى المرعب ، وقول الآية : « واحْذرهم أَنْ يَفْتِنُوكَ » تأكيد آخر ومكرر على اتباع أحكام اللَّه تعالى ، والوقوف بوجه الوساوس وعدم الاعتراف بغيره ، وممّا لا شك فيه أنّ النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله لم يكن ليفتتن بهم إطلاقاً بسبب تمتعه بمقام العصمة الرفيع ، إلّاأن التعبير أعلاه يُعدّ درساً لسائر النّاس ، لكي يحذروا مكائد الأعداء وألاعيبهم من أجل حرف المؤمنين وإبعادهم عن الامتثال للاحكام الإلهيّة ومع الأخذ بنظر الاعتبار سبب نزول هذه الآية والّذي ذكره المفسرون ، فإنّ الآية الآنفة تتعلق بمسألة القضاء والفصل في الاختلافات والمنازعات ، وكلمة « بينهم » أيضاً تعبّر عن هذا المعنى ، ولكن من المسلّم به هو أنّ الفصل يجب أن يكون مستنداً إلى حكمٍ وقانون ، ومفهوم هذه الآية يشير إلى أن مستند القضاء والفصل يجب أن يكون ما أنزل اللَّه فقط .
والآية الّتي تأتي بعد الآية السابقة مباشرة في القرآن الكريم ، تقول : « أَفَحُكْمَ الجَاهِليَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَومٍ يُوقِنُونَ » .
وهنا تصرح هذه الآية الكريمة بأنّ الأحكام غير الإلهيّة إنّما هي أحكام جاهلية ، تلك الأحكام النّابعة من الجهل وعدم المعرفة ، وأحياناً عن الهوى والوساوس الناجمة عن الجهل ، ولو تأملنا في هذه الآية جيداً ، لوجدنا أنّ هذا المعنى لا يختص فقط بعصر النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ونهضته في العصر الجاهلي للعرب ، بل إنّ كل حكم غير إلهي - وكما أشرنا إلى ذلك آنفاً - لا يمكن أن يكون منزّهاً من الجهل ، لأنّ علم الإنسان محدود يقيناً ، إذ إنّه لا يملك معرفةً كاملة بجميع خصائص وزوايا وجوده ، ولا يملك اطلاعاً كاملًا على أسرار الموجودات والحوادث الماضية والحالية والمستقبلية ، التي تلعب دوراً مؤثراً في نوعية
نفحات القرآن — صفحة 74
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٧٤