لمنع وقوع المخالفات والأعمال الخاطئة ، سُمّي ب « الحكم » ، وسميت العلوم والمعارف لهذا السبب ب « الحكمة » إذ إنّها تمنع وقوع الأعمال الجاهلة وغير العقلائية .
والملاحظة الأخرى الجديرة بالاهتمام أيضاً ، هي أن مصطلح « الحكم » في القرآن الكريم ، يأتي أحياناً بمعنى التحكيم والفصل ، وأخرى بمعنى الأمر والنّهي ، وعندما يأتي بمعنى التحكيم ، يُعدُّ أيضاً نوعاً من الأمر والنّهي الّذي يصدر عن القاضي .
ومع الأخذ بنظر الاعتبار ما تقدم ذكره ، نعود مرّة أخرى إلى الآيات المباركة ، إذ إنّ الآية الأولى ، تصرح بأنّ الحاكمية والحكومة ، والأمر والنّهي وكذلك الولاية ، مختصة بأجمعها باللَّه تعالى إذ تقول : « مَالَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلىٍّ وَلَا يُشرِكُ فِى حُكمِهِ أَحَداً » .
والواقع أنّ صدر الآية وذيلها هما بمنزلة العلّة والمعلول ، لأنّه عندما تختصّ الولاية باللَّه تعالى ، فمن الطبيعي حينئذٍ أن يقتصر الحكم والقانون أيضاً به تعالى ، ومن الواضح ، أنّ « الحكم » يشمل هنا الأمر والنّهي وكذلك القضاء والحكومة أيضاً ، لأنّ كل هذه الأمور تعدّ بمثابة فروع الولاية ، وبما أنّ الولاية منحصرة به تعالى ، إذن فالحكم من شأنه أيضاً ، بل يعتقد البعض أنّ ولاية اللَّه تعالى تشتمل حاكميته التكوينية على عالم الخليقة أيضاً ، لإنّ ولايته في عالمي التشريع والتكوين ثابتة ، إذن فحاكميته تمتاز بالشمول والعمومية .
ويدور الحديث في الآية الثانية عن حكم اللَّه وقضائه : « وَمَا اخْتَلَفتُم فِيهِ مِن شَىءٍ فحُكمُهُ إِلى اللَّه » .
ويقول تعالى في نهاية الآية : « ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وإِليهِ انيبُ » .
وبما أنّ كل شيء ( وخاصة الحكم والقضاء ) بيده تعالى ، إذن يجب أن يكون التوكّل عليه والإنابة إليه فقط .
وطالما أنّ التحكيم والقضاء غير منفصلين عن الحكم والقانون ( بمعنى أنّ الكثير من موارد النزاع هي من قبيل الشبهة الحكمية ، وليس الشبهة الموضوعية ) ، نصل إلى أنّ الحكم والأمور والقانون أيضاً بيده تعالى فقط .
نفحات القرآن — صفحة 72
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٧٢