فقام عمر بن الخطاب وقال دعني يا رسول اللَّه أضرب عنق هذا المنافق ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : وما يدريك يا عمر لعلَّ اللَّه إطَّلع على أهل بدر فغفر لهم ، فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
فنزلت الآيات الأولى من سورة « الممتحنة » وحذَّرت بشدّة المسلمين من تكرار مثل هذه التّصرفات ، لأنّها تذهب بدنياهم وآخرتهم « 1 » .
ففي هذه القصة ، نجد أنّ هناك تجسساً لصالح الأعداء ، ولكن جهاز الأمن المضاد عند النّبيّ صلى الله عليه وآله - سواءً كان عن طريق اطلاع جبرئيل الأمين أو أي طريق آخر - أحبط مؤامرة العدو ، بنحو لم يصل أي خبر عن تحرك النّبيّ صلى الله عليه وآله ومخططه لفتح مكة إلى أسماع قريش وفوجيء مشركو قريش بدخول جيش الإسلام إلى مكّة ، وكان ذلك سبباً في تحرير أقوى قلاع الشرك بلا إراقة دماء ولا حرب ، ولو كانت الجاسوسة قد أوصلت ذلك الكتاب إلى مكّة ، كان يُحتمل أن تراق دماء كثيرة في هذا الطّريق ، وهذا يدل على أهميّة دور الأجهزة الاستخبارية أو الأمن المضاد في تحديد مصير مجتمع وأمّة بكاملها .
2 - قصة استخبار حُذيفة
نموذج آخر من النشاطات الأمنية في عصر النّبيّ صلى الله عليه وآله ، هو قصّة « حذيفة » في حرب الأحزاب .
فقد روي في التواريخ ؛ ذات ليلة من ليالي حرب الأحزاب ، وبعد اختلاف الأحزاب فيما بينهم ، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : مَن رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الرجعة - أسأل اللَّه تعالى أن يكون رفيقي في الجنّة ؟ قال حذيفة : فما قام رجل من القوم من شدّة الخوف وشدّة الجوع وشدّة البرد ، فلما لم يقم أحد دعاني رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني ، فقال : « يا حذيفة إذهب فأوغل في القوم فانظر ماذا
هامش
( 1 ) ذكر أكثر المفسرين هذا المعنى في شأن نزول الآيات الأولى من سورة الممتحنة .