والواقع هو أنّ رأسمال الإنسان في المجتمع هو كرامته ، وكل المسائل الأخرى تابعة لها ، ولا شك في أنّ سوء الظنِّ والتّجسس والغِيبة تعرِّض رأسماله الغالي إلى الخطر ، أو تفنيه .
ولكن ومع ذلك ، فإنّ هناك بعض الموارد إذا واجهناها بحسن الظن ، ولم يُتَجسَّسْ عليها وتفضح أسرارها ، فإنّها ستشكل خطراً على المجتمع الإسلامي ، سواءً كان هذا الخطر مؤامرة من قبل المنافقين في الدّاخل ، أو مخططات مشئومة من قبل الأعداء من الخارج تنفذ على أيدي عملائهم في الداخل .
فمثل هذه الموارد لابدّ من مواجهتها بريبة واستفهام ، والتّجسس لحفظ الأهداف الأهم ، وهذه هي فلسفة تشكيل الأجهزة الأمنيّة والأمن المضاد ، وهي فلسفة معقولة ومنطقيّة وموافقة للعقل والشّرع ، وإن كان طلّاب الدّنيا والحكومات المستبدة والإستكبارية تسيء استغلال ذلك ، ولكن هذا لا يمنع من بقاء أصل هذا الأمر منطقيّاً ومعقولًا ، فلا يقال ما هي الضرورة لمثل هذه الأعمال ؟ فأي قانون مقدس لم يُستغل استغلالًا سلبياً من قبل ضعاف النّفوس ؟ !
وخلاصة الكلام ، هي أنّ عدم التّجسس على أوضاع الآخرين وحياتهم الخاصة « أصلٌ » لابدّ أن يحفظ ، ولكن التّجسس في موارد معينة « استثناء » ولابدّ أن يُحفظ هو الآخر في حدود وشرائط خاصة باعتباره وظيفة شرعية واجتماعية .
وفي الواقع إنّ هذا الاستثناء يخضع لقانون الأهم والمهم ويخضع للعناوين الثّانوية ، فحفظ كرامة الأفراد مهمٌ جدّاً ، ولكن حفظ وجود المجتمع الإسلامي ونظام الحكم والأمن والاستقرار أهم من ذلك وأوجب ، ولذا ففي مثل هذه الموارد يقدم الثاني على الأول .
وممّا تقدم يتضح أن التّجسس واستقصاء أسرار الآخرين يحتاج إلى مجوّز ودليل كافٍ ، وأمّا التّصرف الشّخصي فغير مجاز .
هذا ما يرتبط بالتّجسس في داخل المجتمع الإسلامي .
نفحات القرآن — صفحة 324
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٢٤