تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
تأثيرها على بيئات واسعة وكانت نهايتها أن انفرط عقدها أو لازال البعض منها متصلًا ، ولكن كيفية هذا التأثير وماهيته يمكن اعتباره كقرينة حية إلى جانب القرائن الأخرى . وعندما يكون هذا التأثير على شكل قفزة وفي جوانب إيجابية ومع أقل الاضرار ، فمن المسلَّم به أن يدلِّل على عمق تلك المدرسة وأصالتها . ومن له أدنى اطلاع على تاريخ العرب والإسلام لا ينكر الفاصلة الزمنية التي مدّتها 23 عاماً وهي سني دعوة الرسول صلى الله عليه وآله - الفاصلة التي أحدثت ( طفرة فلسفية ) أكثر ممّا هي ثورة ؟ فالمنبوذون الذين لم يتركوا في التاريخ اسماً ولا رسماً . . . ومن وجهة نظر علم الاجتماع لم يخطّ على جباههم أي استعداد للتطور المذهل حتى لو بعد عدة قرون ، يتحولون فجأة ويدخلون مرحلة جديدة من الحضارة العظيمة ، ولم يغيّروا أنفسهم فقط ، بل غيروا أيضاً العالم المعاصر لهم ولتبقى آثار هذه الثورة والتغيير ظاهرة في القرون اللاحقة وإلى زمان غير محدود . . . حضارة حولت مسير تاريخ البشرية ، وغطت باشعاعها الحضارات الخمس العظمى في عصرها ، أي : ( حضارة الروم ) و ( إيران ) و ( مصر ) و ( بابل ) و ( اليمن ) . وهذا بالضبط مالم يستطع المؤرخون وعلماء الاجتماع تفسيره وفق المعايير المعروفة التي بين أيديهم ، وإن كانوا قد الّفوا كتباً بعنوان : تاريخ حضارة الإسلام ، أو مسميات أخرى ، ولكنهم يعترفون بأنّه لازالت عندهم نقاط كثيرة غامضة لم تجد الحل حول ظهور الإسلام ونفوذه في العالم . والملفت هو أنّ هذه الثورة وهذا التحول - خلافاً لسائر الثورات - لم يحدث على صعيد واحد ، ولم تكن له جوانب سياسية أو اقتصادية فحسب ، بل وغيّر كل نُظُم المجتمع كالثقافة ، والأخلاق ، والاقتصاد ، والآداب ، والتقاليد ، وكل شيء . ملخص الكلام : هو أنّ ابعاد تأثير الإسلام في محيط ظهوره ، ثم في العالم كله ، وكل التاريخ البشري ، هو موضوع يستحق الدقّة التي تجعله قرينة ساطعة من قرائن حقانيته ، وأن شرحه وبيانه يتطلب وضع كتاب منفصل .
نفحات القرآن — صفحة 272 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي