ولما سمع أحد قادة الجيش يعلن شعاراً ثأرياً ويقول :
( اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذلّ اللَّه قريشاً ) أمر فوراً بعزله وقال :
ليقولوا بدل هذا الشعار ( القبيح وغير اللائق ) : ( اليوم يومُ المرحمة . . . اليوم أعزّ اللَّه قريشاً ) « 1 » .
وحتى حين وقف كبراء مكة صفاً ليروا حكم الرسول صلى الله عليه وآله بشأنهم ( وكان الكثير من الناس يتوقعون أن يشدد الرسول ويقسو على هؤلاء الأعداء الحاقدين ) التفت إليهم صلى الله عليه وآله وقال : « ما تظنون أنّي فاعلٌ بكم ؟ » قالوا : لا نظنُّ إلّاخيراً . فقال صلى الله عليه وآله : « أقول لكم ما قال يوسف لإخوته : « لَاتَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوْمَ يَغَفِرُ اللَّهُ لَكُم وَهُوَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ » . ( يوسف / 92 )
اذْهَبُوا فأنتم الطلقاء » .
وعندما قتل ( خالد بن الوليد ) أسرى بني خزيمة بدون سبب ووصل الخبر إلى نبي الإسلام صلى الله عليه وآله . تألم بشدّة وقال مرّتين أو ثلاث : « اللّهم إنّي أبرءُ إليك ممّا صنع خالد » ، ثم أمر علياً عليه السلام أن يذهب مع مبلغ من المال إلى تلك القبيلة فيعطيهم دِيَة قتلاهم ويعوض ممتلكاتهم التي تضررت بالمال وأن يسعى في جلب رضاهم « 2 » .
إنَّ هذه الأمور لا يمكن مشاهدتها في حروب عالم اليوم ، وحتى في مهد الحضارة الصناعية ، فقد شهد العالم أفضع مآسي الانتقام في نهاية الحرب العالمية الأولى والثانية ، والجرائم التي لا تُعدّ للجيوش المنتصرة .
والآن كيف اتصف النبي صلى الله عليه وآله بكل هذا العفو والرحمة بين قوم نصف متوحشين ؟ هذا السؤال يجب أن يجيب عليه العقلاء والحكماء .
كان ورعه واجتنابه عن الأساليب اللإنسانية إلى درجة أنّه صلى الله عليه وآله ، يرفضها حتى ولو تهيأت مقدماتها وأسبابها بصورة طبيعية ، ومهما بدت في الظاهر أنّها مؤيدة له ، ففي حادثة وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله قيلَ : إنّ الشمس كسفت تزامنا مع هذه الواقعة ، وقال بعض الناس : إنّها كرامة ومعجزة من قبل النبي صلى الله عليه وآله ، وإنّ الشمس كسفت لوفاة إبراهيم .
هامش
( 1 ) نقلت هذه القضية بعبارات مختلفة في بحار الأنوار ، ج 21 ، ص 105 و 130 ؛ وفي حبيب السير : ج 1 ، ص 288 ؛ وتفسير جامع البيان في ج 2 ، ص 334 ؛ وكامل ابن الأثير ج 2 ، ص 246 .
( 2 ) حبيب السير ، ج 1 ، ص 389 .